سوق المال , وصورة طبق الأصل !
د. يوسف بن أحمد القاسم 18/4/1427
16/05/2006
كم هي القرارات والتوصيات التي تصدرها المجامع الفقهية الموقرة , والتي يوقع عليها عدد كبير من علمائنا الأفاضل من شتى البلاد الإسلامية , ويشارك فيها العديد من الباحثين , والخبراء في التخصصات المختلفة, ومع هذا كله يطويها النسيان , وتحفظ في ملف الحفظ , ويوقع عليها بلسان الحال بالعبارة المألوفة:(للحفظ مع التحية!!) ثم توضع في الرف السيء الصيت ! فتذهب كثير من تلك القرارات والتوصيات أدراج الرياح , وكأن شيئاً لم يكن !
وهذا التجاهل من الجهات ذات الاختصاص هو في الحقيقة خطيئة من الخطايا, وهو إن كان صغيرة من الصغائر , فإنه مع الإصرار يصبح كبيرة , ويعكس حجم اللامبالاة تجاه ما تتخذه تلك المجامع العلمية من قرارات , وربما لو كانت في بلاد غربية لكان لها شأن آخر .
ومن تلك القرارات التي طواها النسيان : القرار الصادر من مجمع الفقه الإسلامي بشأن الأسواق المالية, رقم(59), وتاريخ(17-23 /8 /1410هـ) في البند الثاني منه , ونصه:( إن هذه الأسواق المالية- مع الحاجة إلى أصل فكرتها- هي في حالتها الراهنة ليست النموذج المحقق لأهداف تنمية المال واستثماره من الوجهة الإسلامية . وهذا الوضع يتطلب بذل جهود علمية مشتركة من الفقهاء والاقتصاديين لمراجعة ما تقوم عليه من أنظمة , وما تعتمده من آليات وأدوات , وتعديل ما ينبغي تعديله في ضوء مقررات الشريعة الإسلامية ) أهـ . وقبل ذلك أوصى مجمع الفقه الإسلامي في قراره رقم(38) وتاريخ(18-23/6/1408هـ) بعدة توصيات,منها:( إقامة اقتصاد إسلامي, لا شرقي ولا غربي , بل اقتصاد إسلامي خالص , مع إقامة سوق إسلامية مشتركة ....) أهـ .
لقد أدرك علماؤنا الأفاضل بأن أسواقنا المالية لا تفي بمتطلباتنا,ولا تتفق مع قيمنا الإسلامية ؛ لأنها في أصلها نموذج غربي قائم على مفهوم الربا والقمار,ولهذا لا يصح أن نقوم بعملية استنساخ لذلك النموذج الغربي , دون إعادة هيكلته , وتعديل أنظمته بما يتفق مع شريعتنا الغراء , والمشكلة أننا نحن العرب والمسلمين قد تعودنا على عدم الخروج عن مسار ونمط الأجنبي , حتى أصبحنا صورة طبق الأصل له في كثير من سلوكنا.
وتعاملاتنا , ولو كان ذاك الأجنبي لا يتفق مع مبادئنا وقيمنا , ولهذا صدق فينا قول نبينا صلى الله عليه وسلم :" حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه!" وما أضيق جحر الضب , وما أوحشه و أوعر مسالكه !!
ومتى يأتي اليوم الذي نؤمن فيه بثرواتنا ومقدراتنا , بل وبعقولنا , حتى نكف عن مد يد السؤال , فلا نشحذ من غيرنا النظم المالية والاقتصادية , كما نشحذ منهم الخردوات , وأدوات الزينة !
ولم لا نعيد النظر في واقع أسواقنا, ونرجع البصر كرتين في أنظمتها وقوانينها , فنعيد صياغتها بما يزيل عنها المشتبهات من المكاسب , وبما يحصنها من وقوع مثل هذه الانهيارات المالية التي عصفت باقتصادنا, وبمدخرات من هم من جلدتنا, والتي سرعان ما تلاشت في أيام , وربما في ساعات , حتى رجع أكثر من مليوني مواطن بخفي حنين .
وكم هي الأسواق التي انهارت بين عشية وضحاها في طول العالم وعرضه , وأبلغ شاهد على هذا, ما وقع في الأسواق المالية لدول النمور الآسيوية , حيث أدى حمى المضاربات إلى انهيار البورصة , وقد تولى كبرها الملياردير جورج سورس , الذي قام بعملية بيع جماعي لاستثماراته مما ترتب عليه انخفاض حاد في قيمة الأصول , ثم عاد واشترى في اليوم التالي بالسعر المنخفض , فتحسنت الأسعار , ثم قام بعملية بيع أخرى , مما ترتب عليه تأكيد الانهيار , حتى قال رئيس وزراء ماليزيا مقولته الشهيرة:" أصبحنا فقراء بفعل المضاربة في العملات , أخذت منا ما يقارب (60%) من ثروتنا الوطنية ! " وهكذا سائر أسواق الأسهم والمال , يكون مصيرها,بل ومصير اقتصاد الدولة أحياناً,مرهوناً بنظام لا يدعم الاستثمار بقدر ما يزيد من حمى المضاربات الآثمة التي يمارسها مصاصو الأموال والدماء , ممن يملكون الأموال الطائلة, ويفتقدون أدنى مقومات الأخلاق الفاضلة, وقد شهد شاهد من أهلها, حين صرح مدير الصندوق الدولي عقب أزمة سوق المكسيك عام (1995م) فقال وهو يعالج هذه الأزمة:" العالم في قبضة هؤلاء الصبيان" مشيراً إلى المضاربين, وذكر بأنهم صبيان لصغر سنهم في الغالب ! وهذا هو عين ما وقع في سوقنا المحلية , حيث أصبح السوق في قبضة أصحاب الأموال الطائلة , والضحية مليونان أو أكثر ! فهل يوثق في سوق يتحكم فيه أفراد , ويكون الضحايا فيه بالملايين ؟! وهل يقر شرعنا الحنيف الذي جاء بدرء المفاسد الراجحة وبسد الذرائع مثل هذا النوع من الأسواق الذي أثبت الواقع بأنها لا تستطيع السيطرة على مجموعة من التعاملات المحرمة , كبيع الغرر, و النجش , وغيرهما ؟