ثم هل هذه التعليمات والتوجيهات والدراسات الدقيقة، التي تتعهد بوجود الربح لا الخسارة.. هل هذه التعليمات وهذا الربح يغير من حقيقة المعاملة وحقيقتها في كونها من الربا؟
ثم إن هذه الدراسة المستفيضة الدقيقة التي يتحدد في إطارها الربح ليست دائمًا دقيقة؛ فكثير من البنوك الربوية لم تستطع ضمان الودائع مع أرباحها، ونضرب مثلا على عدد من البنوك الربوية التي أغلقت وأشهرت إفلاسها في أمريكا وحدها.
عدد البنوك التي أغلقت وأشهرت إفلاسها
العام
أربعة آلاف مصرف
سبعة وسبعون مصرفا
تسعة عشر مصرفا
مائة وعشرون مصرفا
مائة وواحد وثلاثون مصرفا
مائة وواحد وأربعون مصرفا
1933م
1983م
1984م
1985م
1986م
1987م
وعن الخسائر في بعض البنوك الأمريكية وحدها في 1987م وحده ما يلي:
اسم المصرف أو المؤسسة
احتياطي الديون المعدومة
ستيركوربوريشن
مصرف أمريكا
تشيس مانهاتن
مانوفكتشرهانوفر
ستيكورب (أكبر مؤسسة مصرفية أمريكية)
3 مليارات دولار
1.1 مليار دولار
1.6 مليار دولار
1.7 مليارات دولار
3 مليارات دولار، 3 مليارات دولار، وذلك في النصف الأول من عام 1987.(26)
وفي مصر الكثير والكثير من الخسائر المصرفية، وأشهرها ما حدث في مصرف التنمية والتجارة عام 1995م، ومن هنا يتبين أن هذا الدليل الذي أقام عليه فضيلته وجهة نظره من ناحية أن البنوك أرباحها مضمونة، وأنها لا تفلس لأنها تقوم على دراسات مستفيضة، دعوى يسقطها الواقع بل ويثبت نقيضها.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإننا نرى في أدلة الدكتور طنطاوي ما يثير العجب؛ إذ يبدو التناقض واضحا بين هذا الدليل والدليل السادس؛ فهنا يقول: إن الدراسات المستفيضة والدقيقة تحقق الربح الأكبر؛ حيث تنتفي الخسارة، وهذا ما يفهم من كلامه، وفي الدليل السادس يقول: إن هذا التحديد للربح لا يتعارض مع احتمال الخسارة.
الدليل الخامس:
يرى الدكتور محمد سيد طنطاوي أن تحديد الربح مقدمًا في زمننا هذا فيه منفعة لصاحب المال، وفيه منفعة –أيضًا- لصاحب العمل المستثمر لهذا المال.
ففيه منفعة لصاحب المال؛ لأنه يعرفه حقه معرفة خالية من الجهالة، وبمقتضى هذه المعرفة ينظم أمور حياته.
وفيه منفعة لصاحب العمل؛ لأنه يحمله على أن يجد ويجتهد في عمله وفي نشاطه حتى يحقق ما يزيد على الربح الذي قرره لصاحب المال، وحتى يكون الفائض على نصيب صاحب المال حقا خالصا لصاحب العمل في مقابل جده ونشاطه واجتهاده مهما بلغ هذا الفائض.(27)
فإذا كان فضيلة د. طنطاوي يقصد بالتحديد ما هو وارد في عقد المضاربة من تحديد نسبة الربح من صافي الربح فنعم، ولكن الواضح أن فضيلته يقصد به ما يحدث بين البنوك والأفراد من تحديد نسبة معينة يأخذها صاحب المال بعد مدة معينة زيادة على رأس ماله، وهذا هو عين الربا.
ثم يقول هذا التحديد فيه منفعة لصاحب المال ولصاحب العمل؛ فهل كل مصلحة يرى فيها الناس منفعة لهم يبيحها الشرع؟
الواقع أن هناك كثيرا من الأشياء التي نص الشارع على أن فيها منافع للناس، ومع ذلك نص على تحريمها مثل الخمر والميسر، قال تعالى: "يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما" (البقرة: 219). فقوله تعالى: "ومنافع للناس" يدل على تحقق المنفعة لهم، ومع هذا لا يستطيع أحد أن يقول: إنها حلال.
ثم يقول: هذا التحديد يعرف صاحب المال حقه؛ فهل يصير الربا حقًا يبني عليه الإنسان حياته ويرتب عليه معايشه؟ فما إن يأخذ المال يجعل نصب عينه الدين الذي عليه، بالإضافة للزيادة التي اشترطت عليه؛ فهي كلها من الدين، وعليه سدادها في مدة معينة، ثم يجتهد ويعمل مرة أخرى في المال ليحقق مكسبًا له أيضًا، وهو وحده يضمن المال إن خسر؛ لأنه لا شأن لصاحب المال به؛ لأنه يأخذ الربح ولا يتحمل الخسارة، وذلك هو الربا.