أما في المضاربة، فالربح الفعلي يقسم بين صاحب رأس المال والمضارِب بنسبة متفق عليها، والخسارة من رأس المال وحده، ولا يأخذ العامل شيئا في حالة الخسارة ولا في حالة عدم وجود ربح، هذا من ناحية طبيعة العقد.
ومن حيث العلاقة بين طرفي العملية الاقتصادية:
في القرض نجد العلاقة بين صاحب القرض وآخذه ليست من باب الشركة؛ فصاحب القرض له مبلغ معين محدد، ولا شأن له بعمل من أخذ القرض، ومن أخذ القرض يستثمره لنفسه فقط؛ حيث يملك المال، ويضمن رد مثله مع الزيادة الربوية، فإن كسب كثيرا فلنفسه، وإن خسر فيتحمل وحده الخسارة.
أما المضاربة فهي شركة فيها الغُنْم والغرم للاثنين معا؛ فالمضارب لا يملك المال الذي بيده، وإنما يتصرف فيه كوكيل عن صاحب رأس المال والكسب مهما قل أو كثُر، يقسم بينهما بالنسبة المتفق عليها، وعند الخسارة يتحمل صاحب المال الخسارة المالية، ويتحمل العامل ضياع جهده وعمله، ولا ضمان على المضارب(20) إلا إذا ثبت إهماله وتسببه في هلاك ما بيده.
ويمكن مناقشة هذا الدليل من خلال نقطتين:
الأولى: أن الشرع لا يمنع من تحديد الربح مقدمًا في عقد المضاربة.
الثانية: أن يضع الإنسان ماله في المصرف، ويقصد بذلك الاستثمار.
مناقشة النقطة الأولى:
الشرع لا يمنع من تحديد الربح مقدمًا في عقد المضاربة: نص كثير من الفقهاء على عدم جواز المضاربة إذا تم تحديد أو اشتراط جزء معين من الربح، بل وحكى ابن المنذر الإجماع على بطلان المضاربة إذا اشترط كل واحد منهما لنفسه أو أحدهما شيئا دون الآخر، فقال: "أجمع كل من نحفظ عنه على إبطال القراض إذا جعل أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة".(21) وهذا الإجماع نجده في كلام الفقهاء كما يقول الإمامان مالك(22) والشافعي(23).
النقطة الثانية:
أن يضع الإنسان ماله ويقصد الاستثمار: إن ما يحدث بين المصرف وصاحب المال تحت أي مسمى طالما أنه بفائدة محددة سلفا مقابل أجل محدد فهو ربا؛ وذلك لأن: "علة التحريم منصبة على كونها زيادة محددة سلفا مقابل أجل محدد سواء كان أصل المعاملة قرضا أو دينا أو بيعا؛ فمتى وجدت الزيادة المحددة مقابل الأجل المحدد، فذلك هو الربا بصرف النظر عن أصل هذه المعاملة ولا تأثير لأمرين:
الأول: كون أصل هذه المعاملة قرضا أو دينا أو استثمارا.
الثاني: كون الزيادة مقابل الأجل شيئا متفقا عليه من أول المعاملة، أو هو شيء يستحدث بين الطرفين عند عدم الدفع حين يأتي أجله.(24)
فلا ينفع هنا تغير النية طالما أن العلة وهي الزيادة مقابل الأجل موجودة.
الدليل الرابع:
يرى الدكتور محمد سيد طنطاوي ضمن أدلته أن المصرف -وهو الطرف الذي يدفع الفائدة، ويقع عبئها على عاتقه- لم يحدد الربح مقدمًا إلا بعد دراسة مستفيضة ودقيقة لأحوال الأسواق العالمية والمحلية وللأوضاع الاقتصادية في المجتمع، ولظروف كل معاملة ولنوعها ولمتوسط أرباحها... إلخ.
وهذا التحديد فضلا عن كل ذلك، يتم بتعليمات وتوجيهات من المصرف المركزي الذي يعد بمنزلة الحكم بين البنوك وبين المتعاملين معها.(25)
إن هذه الدراسة المستفيضة التي تحدد الربح مقدمًا، حيث يأخذ صاحب المال المكسب ولا يخسر شيئا قول لا تسنده الحقائق؛ فالبنوك المركزية نفسها، وهي التي تعطي تعليمات وتوجيهات بنسبة الفائدة لا تستطيع دفع ودائع مصرف بأكمله إذا ما تعرض للإفلاس. فمعلوم أن قوانين البنوك المركزية تمنعها من الاستثمار المباشر إلا بنسب ضئيلة جدًّا في بعض البلدان. وهي تأخذ من البنوك الأخرى نسبة احتياطي للودائع لا تزيد في غالب الأحوال عن (25%). فمن أين تدفع البنوك المركزية ودائع مصرف بأكمله إذا ما تعرض للإفلاس، وإن الواقع يؤكد ذلك حتى في أمريكا ذاتها معقل النظام الرأسمالي القائم على الربا. فالمصرف المركزي يضع الخطط ويحدد الفوائد، ولا يستطيع جبر خسارة مصرف واحد من البنوك الأخرى؛ لأنه -قانونًا- ممنوع من الاستثمار المباشر، كما أنه يعتمد على الوساطة المالية وعلى نسبة (25%) من احتياطي الودائع في البنوك الأخرى، فإن كان لا يستطيع جبر خسارة مصرف واحد فكيف نثق في قدراته وتعليماته؟