ويقول الدكتور فتحي لاشين (المستشار بمحاكم مصر سابقا): "إذن فعلة الربا أنه زيادة متولدة من دين، ويتميز الدين أنه ثابت في الذمة مضمون الرد بمثله".(15)
يثبت بهذا اختلاف العلة التي قاس عليها الدكتور طنطاوي تحديد الفوائد بفعل ولي الأمر، بإجازة التسعير بفعل الفقهاء، وذلك بعلة الاستغلال والظلم، وإذا ثبت أنه لا بد من اتحاد العلة في الأصل والفرع حتى يصح القياس وإلا فلا -وهذا ثابت-، فمن شروط العلة المقبولة: "ألا تكون علة الحكم في الأصل المقيس عليه غير العلة التي علق عليها الحكم في الفرع؛ فلا بد من أن تكون العلة في الأصل الذي ثبت حكمه بنص أو إجماع هي العلة التي علق عليها الحكم في الفرع حتى يتحقق الوصف الجامع بين الأصل والفرع، فإذا كانت علة حكم الفرع لم يعلل بها الحكم في الأصل، ولم يتعلق بها فلا يجوز القياس، وهذا هو رأي الجمهور، وحتى أصحاب الرأي يشترطون تحقق المماثلة في العلة(16).
وإذا ثبت هذا -وهو ثابت- استطعنا أن نحكم أن قياس الدكتور طنطاوي هنا لا يجوز، أو كما يقول الأصوليون قياس لا ينقاس.
ولأن الضرورة في مسألة التسعير تبدو واضحة وملحة؛ حيث إن الاحتكار وغلاء السلع أمر يتعلق بأقوات الناس ومعاشهم، أباح الفقهاء التسعير رفعا للضرر الذي يقع على الناس، ولكن أين الضرورة في أن يضع الإنسان ماله في مصرف من البنوك ليزداد دون تعرضه لضمان النقصان أو لمخاطر الخسارة؟
رعاية مصالح الناس:
في قوله: "فإن لولي الأمر إذا رأى -بعد استشارة أهل الخبرة- أن مصلحة الناس تقتضي أن تحدد البنوك الأرباح مقدمًا لمن يتعاملون معها، فله أن يكلفها بذلك رعاية لمصالح الناس... ".(17)
فنرى هنا نظرة تتجه نحو المعتزلة وفكرها الذي يقدم العقل على الشرع، فلا يصح مطلقا أن تحكم خبرات الناس والعلماء في الشريعة أو الأحكام، بل هي التي تتحكم فيما يصلون إليه، وتحكم بصحته وفساده "فلا يجوز الاعتماد على ما قد يراه علماء الاقتصاد وخبراء التجارة من أن الربا لا بد منه لتنشيط الحركة التجارية والنهوض بها، إذ لو صح ذلك لكانت الشريعة محكومة بخبرات الناس وأفكارهم وتجاربهم الشخصية، ولما صح أن المصلحة فرع عن الدين فهي محكومة به ضبطا بل متوقفة عليه وجودا".(18)
فمهما ظن إنسان أن مصلحته في أمر من الأمور، فلا بد أن يقيس هذا الأمر على نصوص الشريعة ومقاصدها، فإن وافقها فيقدم وإلا فلا.
وليس معنى هذا أن الشريعة تقف حائلا دون خبرات الناس وتجاربهم فيما يظنون فيه مصلحة البشرية، بل كثير من نصوص الشريعة تدعو الناس للعلم والتفكر، ولكن الشارع سبحانه يعلم ما لا نعلم؛ فقد يظن العلماء أن مصلحة الناس سوف تتحقق في أمر من الأمور، يختلفون في إثباته ويتفقون، ويعلم الله تعالى غير ذلك فجعل –سبحانه- من قواعد الشريعة ما ينهى عنه رعاية للمصالح وإصلاحا للنفوس، فنحن لا نتهم نصوص الشريعة بل نتهم إفهام الناس التي كثيرا ما تتعرض للهوى أو النظرات الجانبية، وليست الكلية.
الدليل الثالث:
يقول الدكتور طنطاوي لا يوجد نص شرعي يمنع من أن يقوم أحد المتعاقدين في المضاربة بتحديد ربح مقدمًا، وبناء على ذلك لا مانع من أن يقوم المصرف المستثمر للمال بتحديد ربح معين في عقد المضاربة، الذي يكون بينه وبين صاحب المال الذي يضعه في المصرف بنية وبقصد الاستثمار فيما أحله الله تعالى.(19)
نوضح أولا أن ما يحدث بين المصرف وصاحب المال ليس عقد مضاربة؛ لأن حقيقة المضاربة تختلف عن القرض الذي يحدث بين المصرف كجهة وغيره من جهة أخرى؛ فالمصرف يتعامل بالربا على القرض الذي يأخذه أو يمنحه، والمضاربة تختلف عن ذلك، ولكي تتضح المسألة جيدا ينبغي أن أوضح طبيعة الفرق بين القرض والمضاربة.
فمن حيث الطبيعة:
نجد أن القرض يُحدد له فائدة ربوية تبعا للمبلغ المقترض والزمن الذي يستغرق القرض، كأن يكون (10%) أو أكثر أو أقل من رأس المال سنويا، بغض النظر عما ينتج عن هذا القرض من كسب كثير أو قليل أو خسارة، وهو ما يفعله المصرف.