تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الاجماع فقد قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك ان أخذ الزيادة على ذلك ربا، وقال القرطبي: «اجمع المسلمون نقلا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم ان اشتراط الزيادة في السلف ربا ولو كان قبضة من علف ـ كما قال ابن مسعود ـ أو حبة واحدة» تفسير القرطبي 241/3» وهذه المعاملة بذاتها شكلا وموضوعا، وهو القرض الذي جر نفعا نظير الاجل هو ربا النسيئة المعروف في الجاهلية الذي نزلت الآيات بتحريمه، قال الامام الرازي: «ربا النسيئة هو الامر الذي كان مشهورا متعارفا عليه في الجاهلية، وذلك انهم كانوا يدفعون المال على ان يأخذوا كل شهر قدرا معينا، ويكون رأس المال باقيا، ثم إذا حل الدين طالبوا المدين برأس المال، فإن تعذر عليه الاداء زادوا في الحق والأجل، فهذا هو الربا الذي كانوا في الجاهلية يتعاملون به «تفسير الرازي 92/4. وقال ابن قدامة: «كل قرض شرط فيه ان يزيده فهو حرام بغير خلاف».

الأمر الثاني: وهو ان تحديد الربح أو العائد مقدما حلال ما دام الطرفان يرتضيان هذا النوع من المعاملة. فإن من المقطوع به فقها ان التراضي على المحرم لا يحل الحرام، ولو كان هذا القول صحيحا لانخرمت الاحكام، ولأصبح الزنا والفجور حلالا إذا تم بالتراضي. وهل كان ربا الجاهلية إلا بالتراضي كما قال الإمام الجصاص: «الربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرضه على ما يتراضون به» أحكام القرآن 465/1. فتحديد الربح أو العائد ـ اي الفائدة ـ مقدما مع اشتراط ضمانها هو الربا المقطوع بحرمته، فكيف يحله التراضي، فالرضا محله العقود المباحة والجائزة الخالية من المحرمات.

وأما الاستشهاد بالآية على ان التراضي يحل المعاملة وهي قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) (النساء: 29). هذه الآية التي يستدل بها على الجواز، هي دليل منع إذ الآية هنا لها دلالة نص وظاهر، فهي نص في حرمة أكل أموال المسلمين بينهم بالباطل، وظاهر في حرمة الربا لأنه من أكل أموال الناس بالباطل قطعا، بل هو من أظهر أنواع أكل أموال الناس بالباطل.

والتجارة هنا هي التجارة الصحيحة التي لا باطل ولا ظلم فيها، ولا ريب ان التراضي على التجارة الحرام باطل، ولا يحل التراضي ما حرمه الشرع، ومعنى الآية: «ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل» يعني: بالحرام الذي لا يحل في الشرع، وقوله: «إلا ان تكون تجارة عن تراض منكم» هذا استثناء منقطع و«إلا» هنا بمعنى «لكن» والمعنى: لكن ان كانت تجارة أي أموال تجارة صادرة عن تراض منكم وطيب نفس فكلوها حلالا، فأكل الأموال بالتجارة جائز بالإجماع، ولأن التجارة ليست من جنس أكل المال بالباطل. فالتراضي ليس مطلقا كما أوردته الفتوى فنصت على: «ان يباح لكم ان تتبادلوا المنافع فيما بينكم عن طريق المعاملات الناشئة عن التراض «فالآية قاصرة هنا على التجارة التي فيها أكل الاموال لكن بالتراضي والربح الحلال، وليس كل معاملة دخلها الرضا فهي حلال، والتراضي في المعاملة محل الفتوى يحل حراما فهي خارجة عن موضوع الآية.

ج ـ الفقرة الثالثة: «ومن المعروف ان البنوك عندما تحدد للمتعاملين معها هذه الارباح أو العوائد مقدما، إنما تحددها بعد دراسة دقيقة لأحوال الاسواق العالمية والمحلية والاوضاع الاقتصادية في المجتمع، ولظروف كل معاملة ولنوعها ولمتوسط ارباحها. ومن المعروف كذلك ان هذا التحديد قابل للزيادة والنقص، بدليل ان شهادات الاستثمار بدأت بتحديد العائد 4% ثم ارتفع هذا العائد الى أكثر من 15% ثم انخفض الآن الى ما يقرب من 10%. والذي يقوم بهذا التحديد القابل للزيادة أو النقصان، هو المسؤول عن هذا الشأن طبقا للتعليمات التي تصدرها الجهة المختصة في الدولة».

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٨٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٨٧٣