تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما الأمر الثالث: وصف استثمارات البنك بأنها في معاملاته المشروعة. إن الفتوى لا تستقيم فقها حتى تبين ما هي هذه الاستثمارات البنكية المشروعة، وقد اصدر البنك هذا الحكم الشرعي، فوصف عمله بذاته بأنه مشروع، والفتوى قبلت هذا الوصف واقرته، ومن واجب المفتي ان يسأل عن طبيعة هذه الاستثمارات حتى ولو ظن انها فعلا مشروعة، فهي مشروعة في نظر المستفتي، فلا بد من الاستفصال عن طبيعتها ونوعها ليكون الحكم الشرعي على وفقها، فهي من مناطات الحكم التي لا تصح الفتوى دون تحريره. ولا يعقل ان أحدا من العلماء الافاضل، ومن بينهم ثلاثة من الفقهاء المتخصصين في الفقه والاصول لم يسأل عن طبيعة هذا الاستثمار. ولعلها لم تبين لأنه لا يمكن الا ان تكون استثمارات غير مشروعة، وهي التي لا يملك البنك غيرها بنصوص القوانين، سواء القانون المصري أو بقية قوانين البلاد العربية وغيرها التي تقر اعمال البنوك الربوية، وكلها تعتبر اموال العملاء قرضا على البنك ويجب ان يعطي عليه فائدة وهناك بعض نصوص القانون المصري فالمادة 726 من القانون المدني تنص على الآتي: «اذا كانت الوديعة مبلغا من النقود، أو أي شيء آخر مما يهلك بالاستعمال، وكان المودع عنده مأذونا له في استعماله، اعتبر العقد قرضا». وتنص المادة 301 من القانون رقم 17 لسنة 1999م على ان وديعة النقود عقد يخول البنك ملكية النقود المودعة، والتصرف فيها بما يتفق ونشاطه مع التزامه برد مثلها للمودع طبقا لشروط العقد». وتحظر المادة 39 على «البنك التجاري التعامل في المنقول والعقار بالشراء والبيع أو المقايضة». كما تنص المادة 45 على انه: «يحظر على البنوك العقارية والبنوك الصناعية والبنوك الاستثمارية الاعمال المحظورة على البنوك التجارية».

وازاء هذه النصوص الواضحة فإن مقولة ان البنك يستثمر اموال العملاء في استثمارات مشروعة غير صحيح، ولو صح لم يسمح بها القانون، ولمنع هذه المعاملة وأوقع العقوبة على البنك المخالف لاختصاصه المحدد، وهو الاقراض والاقتراض فحسب.

ب ـ الفقرة الثانية: «هذه المعاملة بتلك الصورة حلال ولا شبهة فيها، لأنه لم يرد نص في كتاب الله أو السنة النبوية يمنع هذه المعاملة التي يتم فيها تحديد الربح أو العائد مقدما، ما دام الطرفان يرتضيان هذا النوع من المعاملة. قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) «سورة النساء الآية 29». أي: يا من آمنتم بالله حق الايمان، لا يحل لكم، ولا يليق بكم ان يأكل بعضكم مال غيره بالطرق الباطلة التي حرمها الله تعالى كالسرقة، أو الغصب، أو الربا، أو غير ذلك مما حرمه الله تعالى، لكن يباح لكم ان تتبادلوا المنافع فيما بينكم عن طريق المعاملات المشروعة الناشئة عن التراضي الذي لا يحل حراما ولا يحرم حلالا، سواء أكان هذا التراضي فيما بينكم عن طريق التلفظ أم الكتابة أم الاشارة أم غير ذلك مما يدل على الموافقة والقبول بين الطرفين.

ومما لا شك فيه ان تراضي الطرفين على تحديد الربح مقدما من الامور المقبولة شرعا وعقلا حتى يعرف كل طرف حقه.

هذه الفقرة تضمنت عدة أمور الاول: ان هذه المعاملة حلال لا شبهة فيها لأنه لم يرد نص في الكتاب أو السنة النبوية يمنع هذه المعاملة. والثاني: ان رضا الطرفين يكفي في وصف هذه المعاملة بأنها حلال والاستشهاد على صحة ذلك بالآية الكريمة.

الأمر الأول: ان هذه المعاملة حلال لا شبهة فيها لأنه لم يرد نص من الكتاب أو السنة النبوية يمنع هذه المعاملة. هذا مبني على صحة المعاملة، وان تكييفها وكالة صحيحة، وان الاستثمار قد تم في مجالات مشروعة، وهذا كله لم يصح بالبيان السابق. والقول الصحيح المدعوم بالأدلة السابقة يشير الى انها معاملة محرمة لا تختلف في شيء عن عمل البنوك الربوية في اعتبار المال قرضا واعطاء الفائدة المضمونة عليه. ولا يخفى ان اشد آية نزلت في كتاب الله هي في حرمة الربا وقد تضافرت نصوص الكتاب والسنة واجماع الامة على حرمة الربا وهو عينه الصورة المذكورة في السؤال والجدول المرافق له. قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين. فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون)، (البقرة: 278 ـ 279)، وقال تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك اصحاب النار هم فيها خالدون)، (البقرة: 275)، ومن السنة احاديث كثيرة منها: ما رواه: جابر بن عبد الله الانصاري قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه» وقال: «هم سواء» (مسلم 3/219) حديث رقم 1598. والربا اعظم ذنبا من الزنى لقوله صلى الله عليه وسلم: «درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية» (مشكاة المصابيح 90/2)، حديث صحيح كما قال الشيخ ناصر الدين الالباني).

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٨٧٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٨٧٢