تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن صدر هذه الفقرة يفيد ان البنك يضمن الربح لعملائه، ولا يضيره ان يحدد لهم الربح المعين مقدما، لأنه يأمن الخطأ في التحديد ان يكون سببا لخسارة ما، فإن البنك مطمئن الى دراسته الدقيقة للاسواق المحلية والعالمية، وأوضاع المجتمع الاقتصادية. ثم ان البنك لم يحدد ربحا معينا مضمونا الا وهو ضامن ربحا أكبر، فيأخذ أموال العملاء قرضا، ثم يقرضها لبنوك أخرى بنسبة ربح أعلى مما ضمنه لعملائه وهذا شأن البنوك، وهذا مفهوم الاستثمار فيها، لا انها تستثمره في العقار أو المنقول او الاسهم او غير ذلك فإنه محظور عليها قانونا كما سبق البيان، بل عمل البنوك توليد النقود بالنقود، وقد نبه فقهاؤنا على خطورة اتخاذ النقود سلعة تباع وتشترى، فقال الشاطبي وغيره: النقود خلقت اثمانا وقيما للسلع ومتى استعملت سلعة دخل على الناس الفساد. النابهون من الاقتصاديين اليوم يؤكدون هذا المعنى الاقتصادي الدقيق فالبنك انما يتحصل على الفائدة لعملائه وله ايضا عن طريق بيع النقود والمضاربة الربوية فيها بالاقراض والاقتراض.

والقول بأن تحديد البنك قابل للزيادة والنقص، هذه العبارة تشعر بمناقضة الفقرة السابقة التي يحدد فيها البنك الفوائد تحديدا دقيقا. وهي عبارة توهم بأن الربح متغير وهي سمة التجارة المشروعة، وليس المراد ذلك قطعا فإن البنك يحدد لكل عملية ربحها المحدد المضمون الثابت الذي لا يزيد ولا ينقص، ولكن المراد ان الزيادة والنقص في العقود المختلفة وفي ازمنة مختلفة فهي تزيد وتنقص تبعا للظروف والزمان والاحوال. والبنك المركزي هو الذي يتدخل ويفرض نسبة الفوائد التي قد تختلف من وقت لآخر وفق معطيات اقتصادية وسياسية مختلفة.

د ـ الفقرة الرابعة: «ومن فوائد هذا التحديد ـ لا سيما في زماننا هذا الذي كثر فيه الانحراف عن الحق والصدق ان في هذا التحديد منفعة لصاحب المال، ومنفعة ايضا للقائمين على ادارة هذه البنوك المستثمرة للاموال» فيه منفعة لصاحب المال، لانه يعرفه حقه معرفة خالية من الجهالة، وبمقتضى هذه المعرفة ينظم حياته. وفيه منفعة للقائمين على ادارة هذه البنوك، لأن هذا التحديد يجعلهم يجتهدون في عملهم وفي نشاطهم حتى يحققوا ما يزيد على الربح الذي حددوه لصاحب المال، وحتى يكون الفائض بعد صرفهم لاصحاب الاموال حقوقهم، حقا خالصا لهم في مقابل جدهم ونشاطهم، هذه الفقرة تركن الى الدليل الاضعف وهو بناء الحل على المنافع والمصالح، والمقرر عند علماء الاصول ان شرط الاخذ بالمصلحة وبناء الحكم عليها اذا لم تصادم نصا، وقد اجمع الفقهاء والاصوليون على ان المصلحة لا تقدم على النص عند التعارض ـ ومن قال بخلافه وهو الطوفي، فقول شاذ لا يخرق الاجماع ـ ولذا كانت المصالح المصادمة للنصوص غير معتبرة، وما بني عليها باطل، وكانت الفائدة الربوية وان كان فيها مصلحة للمرابين الا انها مال خبيث لا يحل، ولا يعتبر طريقا من طرق الملكية ولذا لم تجب الزكاة في الفائدة الربوية لخبثها، ومن قال ان الربا فيه مصالح حقيقية، بل الصحيح ان مصالحه موهومة بل هي مفاسد حقيقية. ولذا سماه الله ظلما فقال تعالى: «وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون» (البقرة: 279)، فالزيادة على رأس المال ربا وظلم، يقول الامام ابن تيمية: «الربا فيه ظلم محقق لمحتاج، ولهذا كان ضد الصدقة، فإن الله لم يدع الاغنياء حتى اوجب عليهم اعطاء الفقراء فإن مصلحة الغني والفقير في الدين والدنيا لا تتم إلا بذلك، فإذا اربى معه فهو بمنزلة من له على رجل دين فمنعه وظلمه زيادة أخرى، والغريم محتاج الى دينه. فهذا من اشد انواع الظلم، ويعظمه: لعن النبي صلى الله عليه وسلم آكله وهو الآخذ، وموكله وهو المحتاج المعطي للزيادة، وشاهديه، لإعانتهم عليه «(القواعد النورانية 117).

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٨٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٨٧٤