تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

* ثالثاً: الفتوى ومناقشتها فقرة فقرة:

أ ـ الفقرة الأولى: «الذين يتعاملون مع بنك الشركة المصرفية العربية الدولية ـ أو مع غيره من البنوك ـ ويقومون بتقديم اموالهم ومدخراتهم الى البنك ليكون وكيلا عنهم في استثمارها في معاملاته المشروعة، مقابل ربح يصرف لهم، ويحدد مقدما في مدد يتفق مع المتعاملين عليها».

لقد تضمنت هذه الفقرة ثلاثة أمور: أولها: انها ضمت للجواب، بالاضافة الى البنك السائل، بقية البنوك، وثانيها: وصف البنك بأنه وكيل عن عملائه، وثالثها: وصف استثماراتها انها في معاملات مشروعة. ونتناول هذه الثلاثة وخاصة الثاني والثالث منها محل الاشكال ومحزه. أما الامر الاول: وهو تعميم الحكم ليشمل مع البنك السائل غيره من البنوك الربوية. وهذا يفيد انه لا خصوصية للبنك السائل وان كان مسماه قد يوحي باختلاف عن البنوك وانه قد يستثمر في غير المعهود في استثمارات البنوك. فالتعميم قطع بأنه بنك مثل غيره من البنوك لذا كان الحكم واحداً.

أما الأمر الثاني: اضفاء صفة الوكيل على البنك وهذا هو مناط الفتوى فإذا استقام استقامت الفتوى في هذه الجزئية وهي اساسية جدا، وهي التي تكشف عن التكييف الشرعي لصفة البنك. صفة الوكالة هذه لا تصح البتة، لأن الفقهاء مجمعون على ان الوكيل يعمل لمصلحة وبتوجيه الموكل، وللموكل ان يعفيه ويقيله من الوكالة، لأن الوكالة عقد جائز غير لازم، ويد الوكيل على المال يد أمانة لا يضمن الخسارة وتلف المال الا اذا ثبت تعديه أو اهماله وتقصيره تقصيرا لا يحدث من امثاله. ثم ان الوكيل اما ان يعمل في مال موكله متبرعا أو بأجر، وان كان بأجر فيلزم تحديد اجرته مبلغا مقطوعا، ويجيز بعض الفقهاء ان تكون أجرته نسبة من رأس المال، كما اجمعوا على ان ربح المال في يد الوكيل كله للموكل، وخسارته التي لا يد للوكيل فيها على الموكل. وليس شيء من ذلك يصح في هذا العقد، فإن البنك يستثمر أموال العملاء بطريقته، ثم يعطيهم ربحا ـ حسب عبارة الفتوى ـ وهذا يعني ان ما زاد عن الربح المحدد كله للبنك ـ كما صرحت الفتوى في فقرة لاحقة ـ وهذا المقدار من الربح غير محدد، ولا يطلع عليه العملاء ارباب المال الموكلون، ثم ان البنك وهو الوكيل ضامن للخسارة بل ضامن صراحة لرأس مال الموكل وربحه المحدد مقدما. وهذا كله قلب لمفهوم عقد الوكالة رأسا على عقب، فلا يمكن البتة ان يكون هذا عقد وكالة، ولم يقل، ولا يقول احد عنده مسحة من فقه ان هذا عقد وكالة.

كما لا يصح ان يكون العقد عقد مضاربة، بحيث يكون البنك مضاربا بأموال العملاء، وهم ارباب المال، لأن شرط المضاربة المتفق عليه عند جميع الفقهاء: ان يكون الربح معلوم القدر، فيحدد نصيب المضارب من الربح، والباقي من الربح لرب المال. وان يكون الربح نسبة شائعة كالنصف والثلث والربع، فإذا شرط مبلغ معين مقطوع من الربح أو نسبة محددة من رأس المال بطلت المضاربة لأنها تؤدي الى احتمال قطع الشركة في الربح، لاحتمال الا يربح المضارب غير المبلغ الذي تم تحديده في عقد المضاربة. ثم ان هذا كله اذا وجد ربح من عمل المضارب، فإن لم يحصل الربح، يضع على المضارب جهده، ويضع على رب المال الربح، وإذا خسر المال فخسارته على رب المال، ولا يتحمل المضارب منه شيئا.

وهذا كله غير متحقق في العلاقة محل النظر، فإن البنك هنا يضمن رأس المال كما يضمن الربح، ويتحمل المخاطرة والخسارة. فتكييف العلاقة على انها مضاربة بعيد كل البعد. وإذا بطلت المضاربة يبطل تكييف العلاقة بالشركة، اذ لا يصح ان يكون البنك شريكا مع العملاء، فإن الشركة تبطل باجماع الفقهاء متى ضمن احد الشركاء لغيره من الشركاء الربح لما يؤدي اليه من قطع الشركة في الربح ـ كما سبق ـ فلم يبق الا ان العلاقة بين البنك وعملائه ارباب المال الا علاقة اقراض واقتراض فالبنك مقترض اموالهم وهم مقرضون والمسمى ربحا أو عائدا هو نصيب ارباب العمل، وهو الفائدة الربوية المضمونة والمنسوبة لرأس المال والمدة. وهذا عين الربا، ربا الجاهلية الذي يربط فيه المقرض الفائدة برأس المال والمدة، فكلما زاد رأس المال أو المدة زادت الفائدة. وإذا كنا نتلمس سندا أو دليلا لتكييف العلاقة بالوكالة أو المضاربة أو المشاركة، فإنا لا نحتاج الى دليل على كونها علاقة قرض واقتراض، فهذا ظاهر من السؤال ومن الجدول المرافق له فكان من الواجب ان يقول المجمع : «ان هذه المعاملة محرمة لأنها تضمنت الربا الصريح بدليل الجدول المرافق للسؤال».

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٨٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٨٧١