تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في بعض بلاد شرق آسيا الفلاح يولد الإنسان وهو مدين ويعيش وهو مدين ويموت وهو مدين لأن القروض كلها تتنامى بفوائد مركبة ، فولد مديناً وعاش مديناً ومات مديناً .

المرابي كأنه مصاص الدماء يأخذ دماء الناس وتعبهم وعرقهم وكل جهدهم ولا يكفي ذلك كله لسداد ما عليهم .

قرأت في الجاهلية قبل الإسلام أحياناً كانت تصل نسبة الربا إلى ألف وثلاث مائة بالمائة، ثلاثة عشر مِثلاً ، فالقرض الربوي أساسه الاستغلال والقرض الحسن أساسه الإحسان ، بين أن تستغل حاجة الناس وبين أن تحسن إليهم فبينهما مسافة كبيرة جداً .

ابن القيم وهو من كبار العلماء المجددين يقول : الربا جلي وخفي فأما الجلي فربا النسيئة وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية مثل أن يؤخر دينه ويزيد في المال وكلما أخر زاد في المال حتى تصير المائة آلاف مؤلفة وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدم محتاج ، فإذا رأى أن المستحق يؤخر مطالبته ويصبر بزيادة ما يبذله له تكلف لذلك ليفتدي من أثر المطالبة والحبس ويدافع من وقت إلى آخر فيشتد ضرره وتعظم مصيبته ويعلوه الدين حتى يستغرق جميع موجوداته ، لذلك قال الله تعالى : يمحق الله الربا . إن الفوائد قد تستغرق كل الممتلكات وكل شيء تملكه فيربو المال على المحتاج من غير نفع يجنيه ويزيد مال المرابي من غير نفع يحصل منه لأخيه ، المستقرض سُحق ومص دمه والمرابي سَحق ماله ومُحق من دون أن يفعل خيراً فيأكل مال أخيه بالباطل ثم يمحق ، ويقع أخوه في غاية الضرر ، فمن رحمة أرحم الراحمين وحكمته وإحسانه إلى خلقه أنه حرم الربا .

لا تستغرب أحياناً أجر القرض الحسن عند الله سبحانه ؛ لا يقل عن أجر الصدقة ، لأن القرض الحسن له أصحابه والصدقة لها أصحابها فالذي لا يقبل صدقةً تُحل مشكلته بالقرض الحسن .

الإمام الفخر الرازي يقول : السبب في تحريم عقد الربا أنه يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض .

مادام يوجد قرض بفائدة فلا تجد معروفاً بين الناس ، لأن الذي يأخذ فائدة على قرضه شعر أنه كسب ، أما الذي يقرض قرضاً حسناً فإن كان ضعيف الإيمان شعر أن ماله تجمد بلا فائدة .

فكلما شاع القرض الربوي قل القرض الحسن ، شاع الاستغلال وقل الإحسان وشاع التحكم وقل التواصل ، شاعت القسوة وقل التراحم وربنا عز وجل قال إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي ، وإذا رآنا يقسو بعضنا على بعض إذاً نحرم رحمة الله عز وجل .

الربا إذا حُرِّم هذا قول الفخر الرازي : الربا إذا حُرِّم طابت النفوس بقرض الدرهم واسترجاع مثله ، ولو حل الربا لكانت حاجة المحتاج تحمله على أخذ الدرهم بدرهمين فيفضي ذلك إلى انقطاع المواساة والمعروف والإحسان .

بالمناسبة هناك موضوع حساس فقد شاع بالبلد الاستثمار بنسب ثابتة ، وهذه تشبه الربا تماماً يعطيه مائة ألف ويقول له أريد عليها ثلاثة آلاف بالشهر ، تحت كلام لا نريد حسابات ومشاكل وكل اثني عشر شهراً يتقاضى ستة وثلاثين ألفاً ، يا ترى الذي أخذ هذا المبلغ ربح ستة وثلاثين بالمائة ، إذا ربح السبعين بالمائة فممكن أن يكون مرتاحاً بالدفع وإذا ربح ستين بالمائة أعطى أصحاب الأموال أكثر مما ربح ، وإذا ربح ستةً وثلاثين صار خادماً مجاناً .

أيها الإخوة الكرام :

القضية خطيرة ومنتشرة جداً حتى إن أناساً يصلون ورواد مساجد ، يقول أريد على المائة ألف ثلاثة آلاف بالشهر ، ويرفض ألفين وخمسمائة مثلاً .

هذا هو الربا ، النسبة الثابتة ، فأي استثمار للمال بنسب ثابتة يلتقي مع الربا تماماً ، أحياناً بشكل آخر يقول لك : أنا أريد أن أشتري بيتاً وأملك نصف ثمنه فيأخذ قرضاً من شخص يساوي نصفه الآخر ويعدّه مؤجراً ويعطيه على القرض مبلغاً ، الصورة عقد إيجار لكنه عملياً ربا متى يصح أن تعطي إنساناً مائة ألف وتساهم معه في شراء بيت وتأخذ أجرة ؟ هذا البيت لو صار ضمن مشروع تنظيمي وأموالك ذهبت لأنك أنت مالك ، وكذلك لو صارت مشكلة والأسعار هبطت ومبلغك قَلَّ ، أما أنت تريد مبلغك كما هو وتريد أن تأخذ عليه أجراً في هذه المدة ، الصورة عقد إيجار أما الحقيقة عقد ربوي ، وكلكم يعلم أنه في بلاد كثيرة أن المرابين يأخذون شكلاً آخر ، المرابي في دولة تمنع الربا يضع سجادة على باب المحل أي إنسان مقترض للربا يقول له : أتبيعني هذه وهناك عبارة مشهورة أتبيعني هذه السجادة بألف ، يقول له: بعتك إياها ، أتبيعني إياها ديناً يقول له : بعتك إياها ، يكتب في دفتر الذمة من فلان ألف ليرة ثمن سجادة وانتهى العقد ، ثم يقول له : أتشتريها مني بثمان مائة يقول له : اشتريتها ويعطيه ثمنها نقداً .

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٨٦٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٨٦٨