تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الخامس: أنه من المعلوم شرعاً أن الله تعالى إذا حرم شيئاً أوجب اجتنابه كليًّا قليله وكثيره يدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "ما أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه" وأيضاً في المحرمات نهى عن اقترابها فضلاً عن فعلها قال تعالى" ولا تقربوا مال اليتيم" "ولا تقربوا الزنا" وقال صلى الله عليه وسلم: "الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ألا إن لكل ملك حمى ألا إن حمى الله محارمه" من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه ففي هذا الحديث أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى عدم الاقتراب من المحرم حذراً من الوقوع فيه. وعليه فالربا قليله وكثيره سواء في الحرمة يدل لذلك ما رواه أحمد في المسند بسند صحيح عن عبد الله بن حنظلة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية" وفي رواية في الخطيئة "وبناء عليه كيف يجوز شراء أسهم شركة جزء منها ربا ولو كان قليلاً فقليل المحرم وكثيره سواء؛ للحديث. وبالتالي فالشركة التي يمثل الربا فيها نسبة قليلة لا يجوز شراء أسهمها لأن السهم يشمل جميع أجزاء الشركة وتجويزه -ولو كان قليلاً- إقرار به ورضا وتعاطي للمحرم وهذا من المعلوم تحريمه.

السادس: أنه لا يصح القول بأنه يمكن تطهير هذا السهم أو ذاك؛ لأسباب منها: أن النهي متوجه لعدم المقاربة فضلاً عن المقارفة ومتوجه لأخذه مع العلم بأنه ربا -كما مر- وهذا قد اشترى سهماً وأخذ مالاً مع علمه بما فيه من الحرمة فكيف يصح شراؤه والحالة هذه فضلاً عن تطهيره. ومنها أنه على التسليم بصحة هذا المبدأ وهو التطهير فإن السهم جزء من الشركة التي هي عبارة عن أعيان ونقود وهذه الأعيان والنقود المشاعة تمثل المعاملات المحرمة جزءاً مشاعاً منها أيضاً والمشاع لا يمكن تطهيره إلا إذا تعين والتعيين متعذر والحالة هذه -في الشركات المساهمة- فيتعذر تطهيره، كما لو تيقن النجاسة في ثوب وجهل موضعها فإنه يحرم الصلاة في هذا الثوب حتى يغسله جميعاً فهو هنا كذلك؛ فإذا اختلط المحرم اليسير بالحلال على وجه الشيوع حرم الحلال حتى يتميز الخبيث منه تميزاً يمكن إخراجه منه.

السابع: على التسليم بأن هذه الشركة أو تلك قد خلت معاملاتها من الربا جميعه سواء بالاقتراض أو الإيداع بالفوائد منذ بداية الشركة وحتى إصدار المفتي فتواه بأنها نقية، فإن خلوها من الربا لا يلزم منه خلوها من المعاملات المحرمة الأخرى غير الربا كالتأمين التجاري وخطابات الضمان غير المغطاة مع دفع الرسوم على تلك الخطابات بالنسبة والتناسب وبيوع الديون والبيع وشرط، والبيوع ذات الشروط الفاسدة وغيرها كثير مما يتعارض مع لفظ النقاوة المعبر عنه في الفتوى؛ علماً أن التحقق من صحة البيوع وعدم مخالفتها لا يمكن إلا بمباشرتها والاطلاع على عقودها، حيث إنه لا القوائم المالية ولا حتى الميزانيات التفصيلية تبين طريقة تعاطيها حتى يتسنى بيان حلها من حرمتها، والمقصود أنه لا يصح هذا الإطلاق (لفظ نقية) مع وجود ذلك.

الثامن: أن عبارة: شركة نقية تفيد القطع بذلك مع وجود احتمالات بإخفاء مجلس الإدارة بعض المعاملات المحرمة، أو أن المجلس يجهل تحريمها وكيف تفيد هذه العبارة القطع وعمل المفتي إنما يفيد الظن على أحسن الأحوال؟.

التاسع: أن مما يدل على اضطراب الفتوى بالنقية وعدمها هو تحول الشركات المستمر من وصف النقاوة إلى المختلطة والعكس بالعكس. وعلماء الأصول نصوا على أن من صحة العلة اطرادها، وهنا لم تطرد؛ إذ لا يوجد سبب لتحويلها من النقية إلى غيرها سوى ما يظهر في قوائمها المالية ربع السنوية وقد سبق بيان بطلان هذا العلة.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٨١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٨١٤