ثانياً: علينا أن نعلم أن الحق في كل مسألة واحد لا يتعدد باتفاق أهل العلم -ممن يعتد بخلافه- كما علينا أن نعلم أن البشر خلقهم الله تعالى مختلفين في ألوانهم وأجسامهم ولغاتهم وتفكيرهم وعقولهم والاختلاف فيهم حاصل وهذا واقع لا مفر منه قال تعالى: "ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم" ولكن لا بد أن نعتقد بالضرورة -مع هذا- أن الحق مع أحد هؤلاء المختلفين علمه من علمه، وجهله من جهله. وإذاً لا يجوز أن تكون أقوالهم كلها حق، ولا يجوز أيضاً أن يخلو قول أحدهم من الحق إذ لا بد لكل عصر من قائم الله بالحجة. وأقرب الناس إلى الحق أقربهم إلى الكتاب والسنة وفهم السلف رضوان الله عليهم وأعملهم بالدليل الصحيح وليس العبرة في تمييز الحق كثرة العاملين أو القائلين بالقول أو قلتهم. يقول الفضيل بن عياض رحمه الله: "لا يغرك من الحق قلة السالكين ولا من الباطل كثرة الهالكين". وذلك لأن بعض الناس يعتبر الحق بفعل الأكثرية فيقول أكثرهم فعل كذا وأغلبهم عمل بكذا وهذا غير صحيح. فالعبد يسأل عن عمله ولا يسأل عن عمل غيره. فإذا تساهل المستفتي في طلب الحق كان عليه من الإثم بقدر تساهله.
ثالثاً: أن معنى السهم اصطلاحاً هو: جزء مشع من شركة تضم أعياناً ونقداً وعملاً أو بعضها؛ على الراجح من أقوال الفقهاء المعاصرين. وبناءً عليه يكون التملك في أي سهم من هذه الأسهم يعني أن يكون للمالك حصة مشاعة في جميع أعيان ونقود وأعمال وودائع الشركة المساهم بها.
رابعاً: أن الحكم على سهم شركة ما أنه نقي أو غير نقي لأجل تحديد جواز شراء أسهمها من عدمه مبدأ لا يصح من وجوه:
الأول: أن الشركة قد تقترض أموالاً طائلة بالربا فتبني بها أصولاً تجارية لها؛ كمصانعها ومنشآتها خلال سنين ماضية من عمرها إلا أنها قد تمر عليها سنة -أو ربع سنة- مالية لا تحتاج فيها إلى الاقتراض وبناء عليه تصدر قوائمها المالية الربع سنوية خالية من الاقتراض المحرم فهل يصح أن يطلق على هذه الشركة نقية لمجرد أنها لم تحتج إلى الاقتراض في ربع السنة الذي أصدرت فيه قوائمها المالية؟
الثاني: أنها قد تحصل على فوائد ربوية من ودائع مالية ثم تضخها في أرباح الشركة ثم بعد ذلك تضخ هذه الأرباح في رأس مال الشركة لتؤسس منشآت أو لتطوير عمل الشركة ونحوه وذلك خلال سنين من عمر الشركة، إلا أنها قد تمر عليها سنة مالية أو ربع سنة لا يوجد لديها ودائع مالية ذات فوائد فكيف يقال إن هذه الشركة نقية؟
الثالث: أن السهم المشترى هو عين تمثل حصة مشاعة من الشركة -كما سبق- ولا يصح اعتبار السهم يمثل فترة سنة واحدة أو ربع سنة، بل هو يمثل هذه الحصة لجميع أعمال وموجودات وأصول وودائع الشركة منذ تأسيسها وحتى وقت الشراء، وذلك لأن الإنسان إذا اشترى عيناً فلا يصح اعتبار هذا الشراء مخصوصاً بوقت، بل هو شامل للعين المباعة بعمرها الماضي ولهذا لو اشترى دابة أو دارا فبات مستحقة في أي وقت سابق للشراء فللمشتري ردها بهذا العيب. (انظر المغني4/319-320) فلو كان الشراء يمثل فترة معينة لم يكن للمشتري ردها بهذا العيب. وهذه مسألة من أوضح الواضحات لا تحتاج لمزيد بيان، وبناء عليه فإطلاق وصف النقاوة على الشركة لمجرد أن قوائمها المالية الربع سنوية خلت من تعاملات محرمة غير صحيح؛ لأن هذا الوصف لو صح فهو ينطبق على فترة من عمر الشركة، ولا ينطبق على الشركة ككل.
الرابع: أن عمل التاجر قد لا يخلو من الشبهة أحياناً ومن المحرم أحياناً أخرى بقصد أو بغير قصد وهذا يتعارض مع لفظ النقاوة.
الخامس: أنه من خلال عملي في القضاء واطلاعي على كثير من ميزانيات الشركات والمؤسسات التجارية، وجدت أن هذه الميزانيات الصادرة عن مكاتب محاسبية قد لا تعبر بالضرورة عن جميع العمليات المالية كما هي في الواقع، ولو افترضنا أنها تعبر عن الواقع بصدق فإن المحاسب القانوني ليس له دراية بالشريعة وبالتالي. فإن الألفاظ التي يطلقها تمثل بصورة أساسية مصطلحات محاسبية تختلف بالمفهوم الشرعي بين محاسب ومحاسب آخر في كونها تمثل ربا أو لا؟ وهي أمور دقيقة لا تظهر في القوائم المالية الربع سنوية، ومثالها: كأن يكتب في الميزانية مثلاً: غرامات تأخير بمبلغ كذا وهذه الغرامات عند التمحيص ليست على تأخير أعمال، بل على تأخير سداد أموال مستحقة للشركة فهي فوائد أو ربا صريح بينما تظهر هذه الغرامات في القوائم المالية على أنها مطلوبات على الغير في ضمن ديون صحيحة للشركة على الغير وهذه من المسائل الشائعة لدى الشركات المساهمة، وعلى هذا فهي لا تحتسب من الأموال الربوية نتيجة لعدم التمحيص في الميزانيات المالية لكل شركة ومراقبتها من قبل عالم بالشريعة أضف إلى ذلك أن استيفاء فحص الميزانيات لهذه الشركات لكل بند وتمحيصه أمر عسير جداً ويحتاج لفرق محاسبية وشرعية خاصة مع كبر تعاملات الشركات المساهمة في المملكة، وبهذا يتبين أن إطلاق وصف النقاوة لمجرد الاطلاع على القوائم المالية الربع السنوية الأولية للشركات المساهمة غير صحيح.