تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأمة الإسلامية أمة ذات استقلالية فلها شخصيتها ومنهجها المميز ونظامها الشامل فليست بحاجة إلى استيراد أنظمة سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو اجتماعية من الأمم الكافرة فلديها ما يغنيها ويسعدها لو استمسكت بشرع الله وأخذت الكتاب بقوة، ومع هذا أقول فإذا احتاجت الأمة المسلمة إلى شيء من هذه الأنظمة التي ربما سبقتها بعض الأمم الكافرة إليها فيجب عليها وزنها بميزان الشريعة وعرضها أولاً على علماء الشريعة الربانيين لتهذيبها وتصفيتها من الشوائب المحرمة التي تخالف شريعة الله والتفكير الجاد والإبداع لإيجاد بدائل أفضل وأحسن بعد دراسة وتمحيص والأمة بحمد الله فيها من الطاقات والإمكانات والقدرات البشرية والمادية ما يمكنها من ذلك. أما أن تبقى أمة استهلاك وتبعية تستورد ما في الغرب وتلبسه ثوب الإسلام أو تعطيه تأشيرة إسلامية ليكون ثوباً مرقعاً يورد الأمة المهالك وينزع هويتها ويفقدها عزتها وقوتها ومكانتها لتبقى أمة ذليلة تابعة للأمم الكافرة ومن ثم ينعكس ذلك على شعوبها فتعيش هزيمة نفسية منكرة فلا إبداع ولا تفكير ولا بناء فهذا هو عين التخلف والهزيمة.

بعد هذه المقدمات أعود للحديث عن سوق الأسهم وكما قلت فهو نموذج غربي مبني على فلسفة الاقتصاد الرأسمالي الذي يعتمد أساساً على الربا بأشكاله المختلفة ويخالطه القمار والاحتكار ( فقد أكد بعض خبراء البورصات الغربية على اعتبار المضاربة على الأسعار بمفهومها الغربي " القمار" أحد الوظائف الهامة للبورصة ) فالأصل فيه أنه سوق شبهات محرمة لا بد للمسلمين أن يجردوه من الشوائب المحرمة قبل ولوجه واستيراده وهو وإن كان قائماً على تحقيق منافع اقتصادية، إلا أن هذه المنافع يمكن تحقيقها بدون ما يحتوي عليه من مفاسد، ولعل من أهم وظائفه أنه يعد أحد الآليات الهامة في تجميع مدخرات الأفراد وتوجيهها إلى المشاريع ذات الإنتاجية الكبيرة سواء منها ما كان في مرحلة التكوين أو تلك القائمة والراغبة في التوسع والتطوير ( السوق الأولية ). أما السوق الثانوية فإنها تساعد على استمرار هذه المشاريع بما توفر من سوق لبيع وشراء حقوق المساهمين دون تأثير على أصل الثروة المتمثلة في أصول المشروع.

إن من أهم وجوه الاختلاف بين أسواق الأوراق المالية ( الأسهم وغيرها ) من جهة وبين الأسواق الأخرى أنه بينما يجري التعامل في الأسواق السلعية على ذات الثروة فإن التعامل في أسواق الأوراق المالية يتم على حقوق الثروة وليس على الثروة ذاتها. فالأصل في قيام هذه الأسواق هو دعم الشركات المساهمة ذات الإنتاجية الكبيرة والتي لا غنى للمجتمع اليوم عنها وذلك لدعم التنمية الاقتصادية، فغياب مثل هذه السوق قد يؤدي إلى استحالة قيام شركات مساهمة جديدة ووأد أية محاولة من قبل الشركات لزيادة روؤس أموالها بهدف زيادة الإنتاج أو تنويعه أو تحسينه وتطويره، وكذلك فهي تعطي فرصة للراغبين في استثمار أموالهم أو تصفية استثماراتهم سواء كان الدافع لذلك هو الحاجة إلى السيولة المطلقة ( النقدية ) أو الإنتقال من قطاع استثماري إلى آخر تتعاظم فيه الأرباح. ولكن المشكلة كما قلت سابقاً أنه نموذج غربي مبني على فلسفة الربا والقمار والاحتكار وأخواتها فالآلية التي تدار بها السوق لا تزال تعاني من إشكالات شرعية تدور حول الربا الذي تتمول به بعض الشركات المساهمة المسجلة في السوق وكذلك الغرر الفاحش الذي يكتنف السوق مع ما فيها من احتكار المعلومات. أي أن هناك اشكالاً في آلية السوق ولهذا كثيراً ما يتردد السؤال عن سر صعود وهبوط أسعار الأوراق المالية ( الأسهم وغيرها ) في البورصات المحلية والعالمية من لحظة لأخرى رغم عدم تغير الظروف الاقتصادية أو المراكز المالية الحقيقية للشركات التي يجري التعامل على أسهمها بل ويزداد السؤال إلحاحاً عند البعض عن الأرباح المتعاظمة في السوق والناتجة عن تفاعل قوى العرض والطلب كيف نتجت ومن الرابح ومن الخاسر بين لحظة وأخرى. فهناك انفصام للعلاقة بين الأصول المادية المملوكة للمشروع والتي تمثل أصل الثروة وبين الأصول المالية التي تباع وتشترى في السوق وتمثل حقوقاً على هذه الثروة. ولعل من أهم أسباب ذلك:

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٧٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٧٨٠