تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما المتغير فهو ما كان من موارد الاجتهاد ، وكل ما لم يقم عليه دليل قاطع من نص صحيح أو إجماع صريح (25) .

يقول الشافعي:"وما كان من ذلك يحتمل التأويل ويدرك قياساً ،فذهب المتأول أو القايس إلى معنى يحتمله الخبر أو القياس ، وإن خالفه غيره لم أقل أنه يضيق عليه ضيق الخلاف في المنصوص "(26)

ومجال المتغير الأمور الاجتهادية، والأحكام التي ارتبط مناط الحكم فيها بالزمان ،والمكان ،والأحوال ،والعوائد بما يحقق المصلحة الشرعية والحِكَم المرعية (27)،وكذا حال المستفتي قوة وضعفاً ،والقرائن المصاحبة للواقعة ، وكذا إن تردد الحكم عند المفتي بين الأيسر والأشد حَكَم بالأيسر لأن أصول الدين تقتضيه ،وهذا ما لم يخالف نصاً .

قال ابن القيم – رحمه الله – ": الأحكام نوعان : نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها ، لا بحسب الأزمنة والأمكنة ، ولا اجتهاد الأئمة كوجوب الواجبات ، وتحريم المحرمات ،والحدود المقدرة على الجرائم ،ونحو ذلك ، فهذا لا يتطرق إليه تغيير، ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه . والنوع الثاني : ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زماناً ،ومكاناً ،وحالاً ،كمقادير التعزيرات ،وأجناسها ،وصفاتها ، فإن الشارع ينوع فيها بحسب المصلحة "(28).

تنبيه :

ذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه لا يوجد متغير في الشريعة, و شنوا حملة ضد مصطلح المتغير ، وقالوا إنه لا تغير في أحكام الشريعة ،وإن بدا أنه تبدل أو تغير ،فهو في الحقيقة ليس تغيراً لحكم شرعي ،وإنما هو تغير مناط الأحكام المتعلقة بأمر من الأمور ،وأن الحكم يتغير بتغير مناطه (29).وعند تحرير محل النزاع بين الفريقين نجد أن الخلاف لفظي ،وذلك أن القائلين بالتغير إنما يقولون بتغير الأحكام المعللة إذا اختلفت العلة أو زالت ، وكذلك الأحكام المترتبة على العوائد ،والأعراف ،واعتبار حال الزمان والمكان ، أما الأحكام الثابتة ،فلا تغير فيها ،وجعلوا عدم مخالفة النص ضابطاً لابد من اعتباره بالدرجة الأولى .

والقائلون بعدم التغيير أقروا التغيير عملياً ،ولكن سموه تغيير مناط الحكم ،وأن التغيير حصل لاختلاف المناط لا للحكم نفسه وحاصل النتيجة واحد .

تغير الفتوى

لقد تقرر عند الأئمة أن الفتوى تتغير بتغير الزمان , والمكان والعوائد والأحوال .

قال ابن القيم – رحمه الله :" فصل في تغير الفتوى ،واختلافها بحسب تغير الأزمنة ،والأمكنة ،والأحوال ،والنيات والعوائد.. -ثم قال :- وهذا فصل عظيم النفع جداً ،وقد وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج ،والمشقة ،وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي هي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به ،فإن الشريعة مبناها ،وأساسها على الحكم ،ومصالح العباد في المعاش والمعاد" (30).

ويقول القرافي –رحمه الله - : "إن إجراء الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد خلاف الإجماع ،وجهالة في الدين بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة"(31).

وجاء في مجلة الأحكام العدلية المادة (39): "لا ينكر تغير الأحكام بتبدل الزمان"

أسباب تغير الفتوى ،وأثرها على التيسير:

1- تغيير الزمان :

إن تغير الفتوى بتغير الزمان مما شهدت له النصوص الشرعية ، فالتدرج في الشريعة فيه دلالة على تغير الفتوى بتغير الزمان ،والزمان ليس هو سبب تغير الفتوى بحد ذاته ، إنما بما فيه من ملابسات اقتضت ذلك ومن الأدلة على ذلك :

- الإبراد بالصلاة زمن شدة الحر ،فعن أبي هريرة وابن عمر قالا قال صلى الله عليه وسلم " إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم "(32)،فانتقل عن الأصل الذي هو استحباب التبكير بالصلاة في أول وقتها إلى استحبابه في آخره لتغير الزمن .

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٦٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٦٨٣