وهكذا كان هدي الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين ، قال عمر بن إسحاق" لمَنَْ أدركت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر لمن سبقني منهم، فما رأيت قوماً أيسر سيرة ،ولا أقل تشديداً منهم "(9)وقال رجاء بن أبي سلمة : سمعت عبادة بن نسي الكندي،وسئل عن المرأة ماتت مع قوم ليس لها ولي فقال:" أدركت أقواماً ما كانوا يشددون تشديدكم ،ولا يسألون مسائلكم"(10)قال سفيان بن عيينة عن معمر : "إنما العلم أن تسمع بالرخصة من الثقة,فأما التشديد فيحسنه كل واحد"(11) وقال الشعبي : "إذا اختلف عليك الأمران ،فإن أيسرهما أقرب إلى الحق"(12).
وليس المراد بالتيسير تتبع رخص العلماء وزلاتهم ،فإن ذلك تلاعب بدين الله ،ولا يجوز للمفتي أن يفتي بخلاف ما يعتقد.(13)ونقل الشوكاني عن البيهقي أنه حكى عن إسماعيل القاضي قال: دخلت على المعتضد، فرفع إليّ كتاباً قد جُمعتْ له فيه الرخص من زلل العلماء ، وما احتج به كل منهم ، فقلت: "مصنف هذا زنديق ،وما من عالم إلا وله زلة. ومن جمع زلل العلماء ، ثم أخذ بها ذهب دينه"(14)
أدلة التيسير :
أولاً : من القران :
- قال الله تعالى: ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (البقرة 185)
قال الشوكاني : "في الآية أن هذا (اليسر)مقصد من مقاصد الرب سبحانه، ومراد من مراداته في جميع أمور الدين"(15).وقال ابن سعدي رحمه الله :" أي يريد الله تعالى أن ييسر عليكم الطرق الموصلة إلى رضوانه أعظم تيسير ، ويسهلها أبلغ تسهيل، ولهذا كان جميع ما أمر الله به عباده في غاية السهولة في أصله، وإذا حصلت بعض العوارض الموجبة لثقله ، سهله تسهيلاً آخر ، إما بإسقاطه أو تخفيفه بأنواع التخفيفات" (16) .
- قال تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج ) (الحج 78)
قال ابن عباس رضي الله عنه:أي من ضيق, والتعريف بأل في (الدين) للاستغراق(17).
قال السيوطي : "الآية أصل قاعدة " المشقة تجلب التيسير"(18).
ثانياً : من السنة
- قالت عائشة رضي الله عنها :"ما خيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً ،فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه"(19)
- وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن :" يسّرا ،ولا تعسّرا ،وبشرا ،ولا تنفرا ،وتطاوعا ،ولا تختلفا "
وفيهما عن أنس نحوه .(20) إلى غير ذلك من النصوص الدالة على المراد .
وقد استنبط العلماء رحمهم الله من هذه النصوص قواعد شرعية عامة تدل على التيسير ،ومنها :
1- المشقة تجلب التيسير.
2- إذا ضاق الأمر اتسع .
3- الحاجة تنزل منزلة الضرورة (21).
مجال التيسير في الفتوى :
سبق أن التيسير من قواعد هذا الدين ،ومحاسنه التي حث الشارع على تحصيلها,ولكن لابد من إدراك أن في الشريعة ما هو ثابت ،وما هو متغير, فأما الثابت من الدين، فقد أطلقه العلماء على الأمور القطعية ،ومواضع الإجماع التي أقام الله بها الحجة بيَّنةً في كتابه أو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ،ولا مجال فيها لتطوير أو اجتهاد (22) .
قال الشافعي رحمه الله :"كل ما أقام به الله الحجة في كتابه أو على لسان نبيه منصوصاً بيناً ، لم يحل الاختلاف فيه لمن علمه"(23).
ومجال الثوابت هو كليات الشريعة ،وأغلب مسائل الاعتقاد ،وأصول الفرائض ،وأصول المحرمات ،وأصول الفضائل والأخلاق ، ولا يجوز أن يوضع شيء من هذه الأمور القطعية موضع الجدل والنقاش ، كأن يقال بتعطيل الزكاة اكتفاء بالضرائب ، أو فريضة الصوم تشجيعاً للإنتاج, أو الحج توفيراً للعملة, أو إباحة الخمر ترغيباً في السياحة, أو إباحة الربا دعماً للتنمية, أو غير ذلك ،والقول به خروج عن الإسلام ومروق من الدين ،والمساس بها فساد عريض لأن شأنها شأن القوانين الكونية التي تمسك السموات والأرض أن تزولا(24).فلا يدخل التيسير في الثوابت إلا لعارض الضرورة إذا كان من المحرم لذاته أو عارض الحاجة إن كان من المحرم لغيره، فمثال الأول : جواز شرب الخمر للإكراه ،ومثال الثاني : جواز كشف المرأة المريضة أمام الطبيب عند عدم وجود طبيبة ،وهذه الأحكام تكون لعارض الضرورة أو الحاجة ،وتزول بزوالها .