تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الرابعة : الاجتهاد في النوازل الحادثة وليس في القواعد المستقرة، والنازلة - بطبيعتها - شيء جديد

تطيش له الأفهام وتذهل العقول وتستوحش النفوس ، ولكن العبرة بما يؤول إليه الأمر ويستقر عليه الحال ، ولهذا فإن الاجتهاد في النوازل يكون مجالاً وعرضة ، ونحن نجد موسى وهارون قد اجتهدا في مسألة نازلة وهي كون بني إسرائيل عبدوا العجل، فعاملها كل منهما بطريقة على حسب ما ذكر الله تعالى في كتابه ، وإن كانوا كلهم وكل الرسل والأنبياء بعثوا بدعوة التوحيد ونبذ الأنداد والأصنام ورفض الشرك، إلا أن معالجة نازلة في هذا الباب كانت محل اختلاف فعالجها - هارون عليه السلام - بأن نهاهم عن ذلك وصبر عليهم - بينما موسى - عليه السلام - أخذ برأس أخيه يجره إليه، ونهاه عن ذلك فقال له :( لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي ) فمن معاني الهداية: طلب ما هو الأفضل والأتقى والأكثر صواباً والأكثر رجحاناً .

الرابع من معاني الهداية : اهدنا الصراط المستقيم، أي ألهمنا عبودية تناسب الحال التي نحن فيها فإن لكل مقام من مقامات الإنسان عبودية تخصه وتلائمه ، فهناك عبودية الإنسان في حال الصحة ، واستخدام قوته فيما يرضي الله سبحانه ، لكن عبوديته في حال المرض بالصبر والرضا والتسليم والدعاء ، وهناك عبودية الغنى بالإنفاق في سبيل الله وهي الشكر ، وهناك عبودية الفقر التي هي الرضا والتسليم ، وألا يمد عينيه أو يديه إلى ما عند الناس، وأن يدعو الله سبحانه وتعالى، ويطلب الغنى منه دون غيره، وهناك عبودية القوة للفرد والجماعة والدولة والأمة بأن تصرف هذا القوة في طاعة الله ، وفي حماية الإيمان والمؤمنين ، وفي تأديب الظالمين والفاسقين والمعتدين ، وهناك عبودية الضعف التي تقتضي الصبر والمصابرة والانتظار والتفكير وإعمال العقل والحيلة، فقد يدرك الإنسان بالحيلة مالا يدركه بالوسيلة والقوة ، وكذلك التسليم لله - سبحانه وتعالى - بألا يسخط الإنسان من القضاء أو القدر، أو يخرج عن طوره أو يكفر بربه أو يشك في دينه ، وبعض الناس يقول : لماذا مكن الله الكفار وأعطاهم القوة ؟ وحرم المؤمنين ومنعهم من ذلك ؟

فهذا مما يدل على أهمية إدراك العبودية في حال الضعف ، وأنها غير العبودية في حال القوة ، ومن العبودية في حال الضعف أن يسعى الإنسان بنظره وتفكيره وتخطيطه إلى استجماع واستحضار القوة الممكنة ؛ بحيث يزول الضعف ، وإذا لم يزل عن هذا الجيل فليزل ـ على الأقل ـ عن الأجيال القادمة وأن نعرف لأجيالنا طريقاً بدأناه نحن ليكملوه هم من بعدنا، وهكذا عبودية الشباب غير عبودية الكهولة أو عبودية الشيخوخة، ولهذا نجد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول : ( لكل عابد شرة ولكل شرة فترة ) رواه ابن حبان وأحمد والترمذي وغيرهم ، وفي لفظ ( إن لكل شيء شرة ولكل شيء فترة فإن كان صاحبها سدد وقارب فارجوه وإن أشير إليه بالأصابع فلا تعدوه ) وهذا لفظ الترمذي ، وفي مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو قال : ذكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجال يجتهدون في العبادة اجتهاداً شديداً فقال : ( تلك ضراوة الإسلام وشرته ، ولكل ضراوة شرة ، ولكل شرة فترة ، فمن كانت فترته إلى اقتصاد وسنة فلأم ما هو ومن كانت فترته إلى المعاصي فذلك الهالك ) فأشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى طبيعة الأشياء وأن لكل شيء عبادته أو عبوديته التي تلائمه ، فالشباب - مثلاً - بطبيعتهم الحادة وحداثة التجربة لديهم يكونون - كما يقول الرازي في الفراسة ( ص 81 ): "سراع التقلب يغلب عليهم الملال، يشتهون بإفراط، ويملون بإفراط؛ لأن النفس الخالية من التصورات تكون شديدة الرغبة في تحصيلها، فإذا قضت وطرها منها مالت إلى غيرها.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٦٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٦٥٠