تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان الشافعي يقول: إنما يؤخذ بالآخر فالآخر من هدي - النبي صلى الله عليه وسلم - وقوله : فنحن نجد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قدم إلى المدينة مثلاً كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه فيه شيء يحب موافقتهم طمعاً في إسلامهم وتأليفاً لقلوبهم ، ثم خالفهم بعد ذلك ، وأصبحت مخالفة أهل الكتاب والمشركين والوثنين شريعة قائمة أمر بها النبي - صلى الله عليه وسلم - وقررها وقعد أصولها ، وهكذا نجد بعد - هؤلاء الأئمة - أن الإمام ابن تيمية ينتقل من المذهبية إلى الاجتهاد، ويكتب ويتكلم ويفتي في كثير من المسائل التي خالف فيها المذهب وخالف فيها الشيوخ يتكلم برؤية شهودية لم تكن له من قبل حتى إنه يخالف رأيه بل أكثر من هذا فتجده في موضع يتكلم عن مسألة جريان الربا في الحلي فيقول: إنها باطلة باتفاق العلماء ، ثم يقرر في آخر عمره وفي السجن في تفسير آيات أشكلت وهو كتاب مطبوع خلاف الرأي الذي قرره من قبل ، وقال : إن عليه اتفاق العلماء؛ وما ذلك إلا لأنه كبر عقله واتسع اجتهاده، وزاد نظره، و تغيرت رؤيته، وأدرك ما لم يكن يدرك من قبل ، وإلا - فهو لا شك - في المسألة الثانية أكثر احتياطاً لدينه وأكثر ورعاً وحرصاً على مصالح الناس ، ولكن أراه الله حينئذ ما لم يكن يرى من قبل، ولا يلزم من ذلك بالضرورة أن يكون الآخر صواباً، لكن المدرك هو سعة الأمر وأهمية التعبد بالاجتهاد الذي يراه الفقيه، ولا يقلد فيه نفسه ولا غيره.

ومن المهمات في هذه المسألة ضرورة فصل الدين الرباني المحض عن النقائص البشرية النفسية والعقلية فإنهما يختلطان على المرء أحياناً فتتدثر بعض الخصائص البشرية وبعض الطبائع الإنسانية بدثار التقوى حتى يلتبس الأمر على صاحبها ، وفرز هذا عن ذاك بحيث يعرف المرء ما كان ديناً محضاً صريحاً لا شوب فيه، وما كان رأياً أو أمراً اجتهادياً أو أمراً شخصياً أو نابعاً من طبيعة أو جبلة ، وهذا لا شك من أعظم علامات الإخلاص لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - والنجاة من تلبس الهوى بالإنسان ، ويدخل في هذا الانتقال من الاجتهاد المرجوح إلى الاجتهاد الراجح- من الحصول على أجر واحد إلى الحصول على أجرين معاً - أجر الاجتهاد وأجر الصواب وهذا الاختلاف

والترجيح والانتقال يكون في مسائل، أذكر أربعاً - منها على سبيل العرض السريع :-

الأولى: مسألة الوسائل وليس الغايات ، فالغايات متفقة ، دعوة الناس إلى رب العالمين وتعبيدهم - لله عز وجل - بالعمل بالكتاب والسنة وطلب الجنة طلب الرضوان ، لكن الوسائل إلى ذلك تختلف ، ولهذا نرى أن وسائل الدعوة اجتهادية وليست توقيفية ، وقد يجد للناس من الوسائل اليوم ما لم يكن عندهم من قبل، إما أنه لم يكن موجوداً، أو لم يكن مستخدما،ً أو لم تكن المصلحة الراجحة تقتضي اعتماده كوسيلة، فالوسائل تختلف من زمان إلى زمان ومن مجتمع إلى مجتمع ومن بيئة إلى أخرى، وهي حركة ضمن دائرة المباح الأصلي في الجملة.

الثانية: ما يتعلق بالأساليب، فأساليب الدعوة قد تختلف ، فالإنسان يستخدم الإنسان أسلوب السرية والعلنية - ونوح عليه السلام يقول ﴿ ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسراراً﴾ وقد دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - سراً بمكة ثلاث سنين، ثم جهر بدعوته، كذلك التفاوت بين الشدة واللين وبين التعميم والتخصيص والتربية الفردية والخطاب الجماعي ، وهكذا كلها أساليب يطلب منها ما يحقق المقصود وما يحقق المقصود اليوم قد لا يحققه غداً، وما يحققه في بلد قد لا يحققه في بلد آخر ، ولهذا أذنت الشريعة أن يكون هذا مجال نظر واجتهاد وتوسعة.

الثالثة : ما يتعلق بالفروع وليس الأصول، فأصول الشريعة والاعتقاد من المحكمات المسلمات القطعية التي لا خلاف فيها ، لكن باب الفروع باب واسع؛ اختلف موسى وهارون وهما نبيان كما جاء في صريح القرآن، كما اختلف فيه أبو بكر وعمر حتى في حضور - النبي صلى الله عليه وسلم - في موضوع الأسرى وغيره، واختلف فيه أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ، واختلف فيه الإمام النووي وابن حجر وابن تيمية وغيرهم ، واختلف فيه ابن باز وابن عثيمين، فلا غرو إذن أن يختلف الناس فيه إلى قيام الساعة وألا يكون ثمة تثريب على اختلاف الناس فيما كان من فروع الشريعة، والخلاف المقبول هنا ليس بسبب الهوى أو التشهي، أو المزاج أو الذوق؛ وإنما بسبب الاجتهاد والنظر في الأدلة والراجح والمرجوح، والصحيح والضعيف، والناسخ والمنسوخ وغيره.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٦٤٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٦٤٩