تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويغلب عليهم حب الكرامة، ورغبتهم في العلو والظهور فوق رغبتهم في المال.

ولديهم سرعة التصديق بما يلقي إليهم، وبساطة التصور مما يولد نوعاً من الإقدام.

أما في السن المتقدم فيغلب على المرء كثرة التعقلات والتصورات والتجارب، وكثرة التردد والشك، وقلة الجزم، والاعتدال في الولاء وفي الكراهية، والمعرفة بالعواقب".

وقريب من ذلك ما ذكره ابن رشد عن بعض أهل الفلسفة حيث قال : "فمما يتصف به الشباب : غلب الشهوات عليهم، وهم سريعو الغضب والرضا وهم محبون للكرامة، ولا يحتملون تجريحاً، ويصدقون القول سريعاً لقلة خبرتهم، ويسهل خداعهم واغترارهم؛ لأن من شأنهم التصديق من غير دليل أو بدليل ضعيف، والحياء يغلب عليهم، ثم هم يقدمون الجميل على النافع إذا أحبوا شيئاً بالغوا في حبه ، وإذا أبغضوا شيئاً بالغوا في بغضه، ويميلون إلى الهزل والمزح.

أما أخلاق الشيوخ فلا يكترثون بحمد ولا ذم ؛ لأن قصدهم الحقائق، ولا يجزمون بشيء ألبتة ويقرنون كلامهم بلعل وعسى!، ولا يحبون بشدة كما لا يبغضون بشدة ، بل أمرهم وسط بلا إسراف ، بل بما يقتضيه الحال، ويؤثرون النافع على الجميل، وهم بعد ذلك أطول صبراً وأمضى عزيمة لا يهزلون كثيراً، ولا يمزحون إلا نادراً ).

فالمؤمن يدعو ربه أن يوفقه ويلهمه العبودية الملائمة لحاله كفرد ولحال المجموعة أو الأمة أو المجتمع ، ولهذا يقول الإمام ابن تيمية في الفتاوى (22/400) : "كل عبد فهو مضطر دائما إلى مقصود هذا الدعاء وهو هداية الصراط المستقيم ، فإنه لا نجاة من العذاب إلا بهذه الهداية ولا وصول إلى السعادة إلا به فمن فاته هذا الهدى فهو إما من المغضوب عليهم أو من الضالين ، وهذا الاهتداء لا يحصل إلا بهدى الله : ( من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ) فإن الصراط المستقيم أن تفعل كل وقت ما أمرت به في ذلك الوقت من علم وعمل ولا تفعل ما نهيت عنه، وإلى أن يحصل له إرادة جازمة لفعل المأمور وكراهة جازمة لترك المحظور ، والصراط المستقيم قد فسر بالقرآن والإسلام وطريق العبودية وكل ذلك حق فهو موصوف بهذا وبغيره، فحاجته إلى هذه الهداية ضرورية في سعادته ونجاته، بخلاف الحاجة إلى الرزق.

فالإمام - رحمه الله - ذكر المعنى الأول وهو أن الهداية في كل وقت بحسبه، وأن العبد حينما يدعو ويقول : اهدنا الصراط المستقيم، فلأنه اليوم محتاج إلى الهداية المتجددة زائدة على ما كان عنده بالأمس ، وهو غداً يحتاج إلى هدايةزائدة على ما عنده اليوم ، ففي كل يوم بل في كل ساعة بل في كل لحظة هو محتاج إلى هداية جديدة تلائم مقامه وتحل المشكلة الماثلة أمامه فهذا معنى.

ثم أشار - رحمه الله - إلى أن هذه الهداية ضرورية ، بخلاف الحاجة إلى الرزق والنصر فإن الله يرزقه فإذا انقطع رزقه مات، والموت لا بد منه - فإن كان من أهل الهداية كان سعيدا بعد الموت وكان الموت موصلا له إلى السعادة الدائمة الأبدية فيكون رحمة في حقه.

وكذلك النصر إذا قدر أنه قهر وغلب حتى قتل فإذا كان من أهل الهداية والاستقامة مات شهيدا، فتبين أن حاجة العباد إلى الهدى أعظم من حاجتهم إلى الرزق والنصر، بل لا نسبة بينهما ; فلهذا كان هذا الدعاء هو المفروض عليهم ، وأيضا فإن هذا الدعاء يتضمن الرزق والنصر ؛ لأنه إذا هدي الصراط المستقيم كان من المتقين ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ) ( ويرزقه من حيث لا يحتسب ) وكان من المتوكلين ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره ) وكان ممن ينصر الله ورسوله، ومن ينصر الله ينصره الله وكان من جند الله، وجند الله هم الغالبون .

فالهدى التام يتضمن حصول أعظم ما يحصل به الرزق والنصر ، فتبين أن هذا الدعاء هو الجامع لكل مطلوب يحصل به كل منفعة ويندفع به كل مضرة ، فلهذا فرض على العبد ، هذا يدخل فيه سؤال الله - سبحانه وتعالى - الإلهام لمعرفة الأحوال ومعرفة المراحل وتحقيق عبوديته كل منها في وقتها ، و الإنسان لا يعرف ذلك إلا بتعليم الله تعالى له ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم - كما في الحديث المتفق عليه عن ابن عباس:" لما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذاً إلى اليمن : ( إنك تأتي قوماً أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فإن هم أطاعوك بذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات فإن هم أطاعوك بذلك فأعلمهم أن في أموالهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم ...) الحديث، فإذا أجابوا إلى شيء دعوا إلى ما فوقه وإلى ما بعده وهذا يدل على ملاحظة التدرج في دعوة الناس أفراداً وجماعات ، ومن هذا التنوع في العناية بالموضوعات المختلفة، فهناك أقوام يناسبهم أن يتحدث معهم في موضوع التربية ، وآخرون يناسبهم الحديث معهم في تفصيلات العلم في الفقه والحديث والتفسير وغيرها ، و فئة ثالثة تحتاج إلى من يحدثها في الجوانب الواقعية والمسائل والمشكلات السياسية ، وفئة رابعة تحتاج إلى من يحدثها بالانتقال إلى الأعمال والمشاريع والمؤسسات وإلى الأمور العملية ، - وهكذا بحسب ما لدى هؤلاء من الكمال ومن الإيمان ومن العلم ومن القدرة ، وبحسب ما عندهم من النقص أو الاختلال - يكون ما يقدم لهم ، ومن ذلك أيضاً أن الخطاب يقبل التنوع والتعدد ، ولهذا الله - سبحانه وتعالى - يقول : ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ) فالرسالة تكون بلسان القوم المبعوث إليهم، والمقصود من ذلك هو البيان ، فالمقصود من دعوة الإسلام هو البيان للناس والبيان يكون بالقول والفعل ، والقول يتنوع والفعل يتنوع بحسب حال المتحدث وحال المدعوين ، ولذلك كان خطاب الأمم ذات الحضارة والعلم المادي الدنيوي يختلف عن خطاب الأمم البسيطة الساذجة، فالدعوة في أوروبا- مثلاً - تختلف في متطلباتها واحتياجاتها و في همومها ومشكلاتها التي تواجهها - عن الدعوة في أفريقيا أو الدعوة في آسيا ، فحينما تدعو شخصاً بسيطاً ساذجاً ليس عنده أي خلفية مسبقة يختلف الأمر عما إذا دعوت شخصاً مليئاً بالشبهات والنظريات والفلسفات والأقوال السابقة ، وإذا دعوت شخصاً في الصحراء ليس كما لو دعوت شخصاً في المدينة، ثم أحوال المجتمعات وتعقيداتها وظروفها يحتمل أبعد من هذا، فالشبهات غير الشبهات والهموم والمشكلات والحلول تتفاوت من قوم إلى قوم، وكل قوم يخاطبون بحسب ما يناسبهم ، ووسائل التأثير مختلفة ونوعية الداعية الذي نحتاج إليه في أوروبا غير الداعية الذي نحتاجه في أفريقيا ، والداعية في بلاد ينتشر فيها العلم الشرعي غير الداعية في بلاد يعم فيها الجهل ، والدعوة في بلاد غنية غير الدعوة في بلاد فقيرة وهكذا

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٦٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٦٥١