2 – وأما أثر ابن عباس – رضي الله عنهما – فيجاب عنه بما أجيب به أثر علي – رضي الله عنه - ، وأيضاً فإنه ضعيف، كما في الإرواء (39).
3 – ويجاب عن القياس على المليء الباذل، وعلى الوديعة، بأنه قياس مع الفارق، فالمال الذي عند الملي، والمال المودع، هو بمنزلة ما في يده (40)، فيمكنه أخذه والتصرف فيه، وهذا بخلاف الدين الذي عند المعسر والمماطل، فربما يحاول تخليصه منه سنين، ولا يقدر على ذلك، وبهذا يتضح الفرق بين المسألتين.
ب – استدل أصحاب القول الثاني: بأن المال كان في يد الدائن أول الحول، ثم حصل بعد ذلك في يده، فوجب أن لا تسقط الزكاة عن حول واحد (41).
مناقشة دليل هذا القول :
يجاب عنه بأن هذا المال قد انقطع حوله بانتقاله من يد الدائن إلى يد المدين، فهو كما لو خرج من يده بهبة – أو نحوها – ثم عاد إليه ، فإنه ينقطع حوله – قولاً واحداً – لخروجه عن ملكه ، فكذا هنا ، وكما لو نقص النصاب أيضاً؛ فالمانع من وجوب الزكاة إذا وُجِد في بعض الحول فإنه يمنع . وأيضاً فإن هذا المال في جميع الأعوام على حالٍ واحد، فوجب أن يتساوى في وجوب الزكاة أو سقوطها كسائر الأموال (42).
ج – استدل أصحاب القول الثالث بما يأتي:
1 – أن هذا المال الواقع في يد المعسر والمماطل قد خرج من ملك الدائن إلى ملك المدين، ومن شروط وجوب الزكاة : أن يكون المال مملوكاً ملكاً تاماً لصاحبه، وعليه فلا يتوجه القول بوجوب الزكاة عليه.
2 – أن هذا المال غير مقدور على الانتفاع به، فأشبه دين المكاتب (43).
3 – أن الزكاة إنما تجب في المال النامي أو في المال الذي يمكن تنميته، والدين الذي على المعسر والمماطل غير نامٍ، فلم تجب زكاته، كعروض القُنْية (44).
الترجيح:
وبعد عرض الأقوال، والأدلة، ومناقشة أدلة القول الأول والثاني، يتبين رجحان القول الثالث وهو عدم وجوب الزكاة في دين المعسر والمماطل ؛ لقوة ما استدلوا به ، ولأن المال إذا خرج من ملك صاحبه فالأصل براءة ذمته من زكاته، فلا يقال بالوجوب إلا بدليل ظاهر، ولا دليل هنا ينقل عن البراءة، وأيضاً فإنه يلزم من القول بالوجوب ، القول بالازدواج في إيجاب الزكاة، بحيث تلزم الدائن والمدين، وهذا لازم باطل؛ لأنه يؤدي إلى إيجاب زكاتين في مالٍ واحد، وهذا القول رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية (45)، وصدر به قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثانية (46)، والله تعالى أعلم .
المطلب الثالث :
التخريج :
مما تقدم يتبين أن هذه الأسهم المتعثرة إذا كانت مرجوة الحصول خلال سنين قليلة، فإنه يكون حكم زكاتها كزكاة الدين الذي على المعسر والمماطل ، وعلى القول الراجح، فإنه إذا انفك التعثر ، وعادت الأسهم إلى أربابها، فإنه يستأنف بها المساهم حولاً، ولا تجب الزكاة فيها لما مضى، والله تعالى أعلم.
المبحث الثاني
التخريج على زكاة المال الضِّمار
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: مفهوم المال الضِّمار :
المال الضِمَار في اللغة: هو الغائب الذي لا يرجى عوده (47)، وأصله من الإضمار ، وهو التغيب والاختفاء ، ومنه الضمير ، وهو السر وداخل الخاطر، يقال: أضمره: إذا أخفاه (48).
وهو في الاصطلاح لا يخرج عن معناه اللغوي، فهو: كل مالٍ غائبٍ لا يرجى حصوله (49)، مع قيام أصل الملك ، كالمال المغصوب، والمفقود، والمسروق، والمجحود – إذا لم يكن للمالك بينة – وكالمال المودع عند من لا يعرفه إذا نسي شخصه سنين، وكالمال الذي انتزعه السلطان قهراً من صاحبه… (50)الخ .
المطلب الثاني: حكم زكاة المال الضمار:
اختلف العلماء في حكم زكاة المال الضمار، في الفترة الميؤوس فيها من عوده لصاحبه ، على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه لا تجب فيه الزكاة بحال، وهذا هو مذهب الحنفية (51)، والقول القديم عند الشافعية (52)، ورواية عند الحنابلة (53)، وهو قول الليث (54).