القول الثاني: أنه يزكيه إذا قبضه لسنة واحدة، وهذا هو مذهب المالكية (55)، وهو قول عطاء، والحسن، والأوزاعي (56).
القول الثالث: أنه تجب فيه الزكاة ، فيزكيه إذا قبضه لما مضى ، وهذا هو مذهب الشافعية على القول الجديد وهو الأظهر عندهم (57)، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (58)، وهو قول الثوري ، وزفر (59).
الأدلة :
أ – استدل أصحاب القول الأول بما يأتي :
1 – ظواهر النصوص الشرعية الدالة على أن الزكاة تؤخذ من المال الذي تحت يد مالكه ، ومنها قوله تعالى : "خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَة" (60) وهذا المال الضمار مفقود، فكيف يؤمر بإخراج زكاته .
2 – ما روي عن علي – رضي الله عنه - موقوفاً، ومرفوعاً إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (لا زكاة في مال الضمار) (61) (62).
3 – أنه مال خرج عن يده وتصرفه، وصار ممنوعاً منه، فلم يلزمه زكاته، كمال المكاتب ، فإنه لا تجب فيه الزكاة على السيد (63).
4 – أن كل ما استقر في ذمة غير المالك، فإنه لا زكاة فيه ، وإلا لزم منه أن يزكى عما في ذمة الغير ، وهو خلاف القياس (64).
5 – أن الزكاة إنما تجب في المال النامي وما في حكمه ، وهذا المال الضمار ليس بنامٍ ، فلا تجب زكاته (65).
ب – استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي :
1 – ما رواه ابن أبي شيبة (66)، عن عمرو بن ميمون قال: (أخذ الوالي في زمن عبدالملك مال رجل من أهل الرقة – يقال له أبو عائشة – عشرين ألفاً، فأدخلت في بيت المال، فلما ولي عمر بن عبدالعزيز أتاه ولده فرفعوا مظلمتهم إليه، فكتب إلى ميمون : ادفعوا إليهم أموالهم ، وخذوا زكاة عامه هذا، فلو أنه كان مالاً ضماراً أخذنا منه زكاة ما مضى) وفي لفظ له (67): (أن رجلاً ذهب له مال في بعض المظالم ، ووقع في بيت المال، فلما ولي عمر بن عبدالعزيز، رفع إليه، فكتب عمر: أن ادفعوا إليه وخذوا منه زكاة ما مضى، ثم أتبعهم بعد بكتاب: أن ادفعوا إليه، ثم خذوا منه زكاة ذلك العام، فإنه كان مالاً ضماراً).
2 – واستدلوا أيضاً : بدليلهم السابق في زكاة الدين الذي على المعسر (68).
مناقشة أدلة هذا القول:
1 – أما أثر عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله – فيجاب عنه : بأنه اجتهاد منه يخالف ما تقتضيه عموم النصوص الشرعية الدالة على أن الزكاة إنما تؤخذ من الأموال التي تحت يدأربابها،والقاعدة الشرعية:أنه لا اجتهاد في مورد النص.
1 – ويجاب عن دليلهم الثاني بما أجيب به في المناقشة السابقة لهذا الدليل (69).
ج – استدل أصحاب القول الثالث:
1 – أن ملكه عليه تام، فلزمته زكاته ، كما لو أُسر أو حُبس وحيل بينه وبين ماله (70).
2 – أنه يثاب عليه ويؤجر فيه إن ذهب، فكذا تلزمه زكاته (71).
3 – واستدلوا أيضاً : بأدلتهم السابقة في زكاة الدين الذي على المعسر (72).
مناقشة أدلة هذا القول:
1 – أما قياس المال الضمار على ما لو أسر أو حبس عن ماله، فهو قياس مع الفارق، وذلك أن محل الزكاة في المال الضمار مفقود، وهو المال – محل الوجوب – فكيف يخرج زكاة مالٍ لا وجود له ؟ كما أن من شروط وجوب الزكاة الملك التام للمال، وهو غير متحقق هنا، وهذا بخلاف ما لو حبس ، فالمال موجود ومملوك ، ولكنه لم يتمكن من الانتفاع به لسبب خارجي ، كما لو مرض أو سافر فلم يتمكن من الانتفاع به حال مرضه أو سفره ، فإنه يلزمه زكاته .
2 – وأما الثواب والأجر على ذهاب المال، فإنه لا يلزم منه وجوب الزكاة؛ إذ لا تلازم بين الأمرين، فالأجر والثواب بابه واسع ، وأما الزكاة فلها شروط لا تجب إلا بتحققها .
ويجاب عن أدلتهم السابقة بما أجيب به في المناقشة السابقة لهذه الأدلة (73).
الترجيح :
وبعد عرض الأقوال ، والأدلة ، ومناقشة أدلة القول الثاني، والثالث، يتبين رجحان القول الأول، وهو عدم وجوب الزكاة في المال الضمار؛ لقوة ما استدلوا به ، ولأنه القول الذي يتفق مع أصل براءة الذمة من المال الخارج عن ملك صاحبه، ويتفق أيضاً مع مقاصد الشريعة من رفع الحرج عن المكلف ، حيث لا يكلَّف المسلم بإخراج زكاة مال ليس في ذمته، بل هو في ذمة غيره، كما ينسجم مع مقصد التيسير الذي جاءت به شريعتنا الغراء، والله تعالى أعلم.