الفصل الثاني
حكم زكاة الأسهم المتعثرة
وفيه تمهيد، ومبحثان:
التمهيد:
هذه الأسهم المتعثرة تختلف من حيث كونها مرجوة الحصول، أولا، وذلك أن بعض المساهمات المتعثرة يتوقع أصحابها أن ينتهي التعثر في مدة سنتين أو أقل أو أكثر، ويرجع لهم رأس المال أو بعضه، وبعضها الآخر لا يتوقع أصحابها أن ينتهي التعثر ولا في مدة عشرين سنة للظروف المحيطة بالقضية ، وربما يقطع البعض من المساهمين بعدم إمكان الحصول على شيء من رأس المال، فالحال الأولى يمكن تخريجها على دين المعسر والمماطل، وهو ما كان مرجو الحصول ولو بعد زمن، والحال الثانية يمكن تخريجها على المال الضِّمار، وهو ما لا يرجى حصوله، كالمال المغصوب والمسروق، ونحو ذلك، وعلى هاتين الحالتين جرى تخريج هذه المسألة المعاصرة ، ولكل حالة مبحث خاص، فإلى المبحث الأول.
المبحث الأول
التخريج على زكاة دين المعسر والمماطل
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: مفهوم الإعسار، والمماطلة:
أما الإعسار ، فهو في اللغة: من العُسْر، وهو ضد اليسر، يقال: تعسَّر الأمر، وتعاسر، واستعسر: إذا اشتد والتوى . وأعسر: إذا افتقر (16). والعُسْرة: هي الضيق وقلة ذات اليد (17).
وهو في الاصطلاح: عدم قدرة المرء على أداء ما عليه من مال (18).
وأما المماطلة ، فهي في اللغة: من المَطْل، وهو التسويف ، يقال: مطله بدينه مَطْلاً: إذا سوَّفه بوعد الوفاء مرةً بعد أخرى (19).
وهي في الاصطلاح : لا تخرج عن معناها اللغوي، فهي: إطالة المدافعة عن أداء الحق، وهي غالباً ما تطلق على مطل الموسر، القادر على قضاء الدين، بلا عذر (20).
المطلب الثاني: حكم زكاة دين المعسر، والمماطل:
اختلف العلماء في الدين إذا كان على معسر أو مماطل، هل تجب زكاته على الدائن، أو لا؟ على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه تجب فيه الزكاة ، فيزكيه إذا قبضه لما مضى، وهذا هو مذهب الحنفية (21)، والشافعية على القول الجديد وهو المذهب (22)، والحنابلة على رواية وهي الصحيح من المذهب (23)، وهو قول الثوري ، وأبي عبيد (24).
القول الثاني: أنه يزكيه إذا قبضه لسنة واحدة، وهذا هو مذهب المالكية (25)، وهو قول عمر بن عبدالعزيز ، والحسن، والليث، والأوزاعي (26).
القول الثالث: أنه لا تجب فيه الزكاة بحال، وهذا هو القول القديم للشافعية (27)، ورواية عند الحنابلة (28)، وهو قول قتادة ، وإسحاق ، وأبي ثور (29).
الأدلة :
أ – استدل أصحاب القول الأول بما يأتي:
(1) ما رواه ابن أبي شيبة (30)، وأبوعبيد (31)، عن علي – رضي الله عنه -: (أنه سئل عن الرجل يكون له الدين المظنون، أيزكيه؟ فقال: إن كان صادقاً فليزكه لما مضى إذا قبضه) .
(2) ما رواه أبو عبيد (32)، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في الدين: (إذا لم ترج أخذه فلا تزكه حتى تأخذه ، فإذا أخذته فزك عنه ما عليه).
(3) أن الدائن هو المالك الحقيقي للمال، فيجب عليه زكاته كما لو كان المال عند مليء باذل (33)، وكما لو كان وديعة (34).
مناقشة أدلة هذا القول:
يجاب عما استدلوا به بما يأتي :
1 – أما أثر علي – رضي الله عنه - فيجاب عنه من وجهين:
الأول: أن هذا القول عن علي – رضي الله عنه - مخالف لعموم النصوص الشرعية ، الدالة على أن الزكاة لا تجب إلا على رب المال – وهو هنا من هو في ملكه – ومنها قوله تعالى : "خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا" (35) ولذا قال ابن حزم في المحلى (36): "إذا خرج الدين عن ملك الذي استقرضه ، فهو معدوم عنده – يعني الدائن – ومن الباطل المتيقن أن يزكي عن لا شيء ، وعما لا يملك، وعن شيء لو سرقه قطعت يده؛ لأنه في ملك غيره" أ.هـ.
الثاني: أنه جاء عن بعض الصحابة قول مخالف لهذا الرأي، حيث روي عن عائشة – رضي الله عنها – أنها قالت: (ليس في الدين زكاة) (37) يعني: مطلقاً، سواء كان على مليء أو على معسر أو مماطل ، كما حكاه عنها - وعن ابن عمر أيضاً - ابن قدامة في المغني (38)، وعليه فلا يجب الأخذ بقول علي – رضي الله عنه -.