تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل ظهرت شركات أخرى غير مرخصة، وهي ما تسمى بشركات توظيف الأموال، تقوم بتحصيل الأموال من أربابها ، ثم تقوم بتوظيفها – أو تدعي ذلك أحياناً – في مشاريع عقارية أو غيرها، وربما أغرت الناس بأرباح مرتفعة، ليس لها مثيل في السوق المحلي، فيقبل عليها الناس زرافات ووحدانا، وغالباً ما يقع تعثر الأسهم في مثل هذا النوع من الشركات، حيث إنها لا تخضع لنظامٍ قانوني ولا محاسبي، فيكثر فيها التلاعب بأموال الناس دون رقيب، فربما تم تحصيل الأموال لغرض المساهمة في عقارٍ ما ، أو لأجل بيع وشراء سلعة ما، ثم يتم توظيفها لهذا الغرض ولأغراض أخرى، بل ربما كان بعض هذه الأموال هدفاً لأسلوب تدوير المال، أو لما يسمى بالتسويق الشبكي (11)، أو غير ذلك، ولا ينكشف الأمر إلا بعد إيقاف ضخ الأموال المساهمة إلى هذه الشركة، أو بعد تجميدها من الجهة الرسمية، وعند ذلك يظهر العجز ويقع التعثر، ولا يعلم المساهم بمقدار هذا التعثر الذي لحق بماله ، ولا بمدى إمكان الحصول على رأس المال أو لا.

ومن صور التعثر التي يكثر وقوعها في هذا العصر، ما يقوم به مجموعة من أرباب المال، من المساهمة في أرض عقارية – مثلاً – وبعد شراء العقار الخام لغرض المتاجرة فيه، يظهر خصم يدَّعي استحقاقه لهذه الأرض أو لهذا العقار، فتبدأ الخصومة في الجهة المختصة، وربما استمرت سنين عديدة، فتتعثر المساهمة، ولا يتمكن أربابها من استرجاع المال ولا جزء منه ، حتى تنتهي الخصومة ، وهكذا… في مسلسل طويل من الصور.

فإذا تعثرت هذه الأسهم، ولم يتمكن المساهم من استرداد رأس ماله ولا جزءٍ منه، مدة سنة أو أكثر، وكان هذا المال مما تجب فيه الزكاة في الأصل، فإنه يشكل على كثير من المساهمين مدى وجوب الزكاة في هذه الأسهم المتعثرة.

المبحث الثاني

أسباب تعثر الأسهم

مما تقدم، يتبين أن لتعثر الأسهم أسباباً عديدةً ، منها :

أولاً: توظيف الأموال في جهات مشبوهة لا يعلم بها المساهم ، كتوظيفها في مجال التسويق الهرمي، ونحو ذلك، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تعثر مفاجئ ، لا يعرف سببه.

ثانياً: تجميد حسابات الشركة من قبل الجهات الرسمية، إما لأسباب غير قانونية وقعت فيها تلك الشركة، وإما لتظلم بعض المساهمين لدى الجهة المختصة ضد القائمين على تلك المساهمات بسبب تأخر صرف الأرباح، أو عدم التمكن من استرداد رأس المال، لأسباب غير معروفة لديهم.

ثالثاً: ظهور خصومة في بعض المساهمات العقارية - مثلاً - مما يستدعي إيقاف العمل في تلك المساهمة، حتى تفصل الجهة القضائية لصالح المساهمين، أو لصالح المخاصمين في ذلك العقار (محل المساهمة).

المبحث الثالث

مدى اعتبار القيمة السوقية (12)للأسهم المتعثرة

كثير من هذه الأسهم المتعثرة، يبادر أصحابها بالتخلص منها، وذلك ببيعها ولو بثمنٍ بخس، إما حاجةً لهذا المبلغ، وإما خوفاً من إفلاس الشركة، وربما أعلن عن هذه الأسهم المعروضة للبيع في أعمدة الصحف، فيبادر بعض الناس بشرائها بأقل من قيمتها المدونة في تلك العقود أو الصكوك ، طمعاً في تحصيلها من الجهة المعنيَّة والظفر بقيمة السهم التي تفوق سعر الشراء.

وهذه القيمة السوقية للأسهم المتعثرة لا اعتبار لها في الشرع ؛ لأنها مبنية على الغرر، وهو بيع ما هو مجهول العاقبة (13)، وهو – هنا – بيع ما هو مجهول القدر ، فالمشتري لهذه الأسهم لا يدري هل يحصِّل كامل قيمة السهم، أو كامل القيمة مع الأرباح، أو لا يحصل إلا بعض القيمة، أو لا يحصل شيئاً، وكذا البائع لا يدري ما يحصِّله المشتري، وقد (نهى النبي – صلى الله عليه وسلم - عن بيع الغرر) كما في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه (14) عن أبي هريرة – رضي الله عنه - . وهذه الصورة من البيع المجهول العاقبة، هي كبيع العبد الآبق والبعير الشارد، حيث يبيعه صاحبه بثمن بخس، ولا يدري هل يظفر به المشتري، أو لا ، فإن ظفر به غُبِن البائع، وإلا غُبِن المشتري، كما صرح بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في قواعده النورانية (15)، حيث قال: "والغرر هو المجهول العاقبة، فإن بيعه من الميسر الذي هو القمار ، وذلك أن العبد إذا أبق ، أو الفرس أو البعير إذا شرد ، فإن صاحبه إذا باعه ، فإنما يبيعه مخاطرة ، فيشتريه المشتري بدون ثمنه بكثير، فإن حَصَل له قال البائع: قمرتني، وأخذت مالي بثمن قليل. وإن لم يحصُل ، قال المشتري: قمرتني، وأخذتَ الثمن مني بلا عوض، فيفضي إلى مفسدة الميسر التي هي إيقاع العداوة والبغضاء، مع ما فيه من أكل المال بالباطل، الذي هو نوع من الظلم" أهـ. وما ذكره شيخ الإسلام – رحمه الله – هو واقع بعينه في بيع مثل هذه الأسهم المتعثرة، وعلى هذا، فلا يصح القول بإخراج الزكاة وفق هذه القيمة التي لم يعتبرها الشارع، والله تعالى أعلم .

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٦١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٦١٣