وأما المتعثرة ، فهي في اللغة: من عَثَر، يَعْثُر، عِثاراً، إذا كبا ، أو سقط، ومنه العَثْرة: أي الزَلَّة، يقال: عثر به فرسه فسقط، وتعثر لسانه: تلعثم. والعواثير: جمع عاثور، وهو المكان الوعث الخشن؛ لأنه يعثر فيه . وقيل: هو الحفرة التي تحفر للأسد، واستعير هنا للورطة والخطة المهلكة . وأما العواثر، فهي جمع عاثر وهي حبالة الصائد، أو جمع عاثرة، وهي الحادثة التي تعثر بصاحبها (7).
والمتعثرة في اصطلاح الباحث: هي الأسهم التي لا يستطيع مالكها من الانتفاع بها ولا من تحصيل قيمتها .
وبهذا ندرك العلاقة الواضحة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي، فالأسهم حين تعثرت، فإنها قد زَلَّت أو تأخرت عما أنشئت لأجله، كما أنها وقعت بصاحبها فلا يمكنه الانتفاع بها، وبهذا وقع في ورطة مالية، أو كأنه سقط في حفرة صيد لا يستطيع الخلاص منها .
المبحث الثاني
حكم زكاة الأسهم (غير المتعثرة)
الزكاة هي أحد أركان الإسلام الخمسة، وهي - في الأصل - واجبة بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم -، وإجماع أمته، كما قاله ابن قدامة - رحمه الله - في المغني (8).
ومن الصور المالية المعاصرة: ما يسمى بالأسهم التجارية والأسهم الاستثمارية، والمتمثلة في شركات الأسهم أو الشركات المساهمة، وهي طريقة حديثة في الاستثمار والتجارة جاد بها التقدم العلمي في هذا العصر.
وقد اتفق العلماء المعاصرون على وجوب الزكاة في هذه الأسهم ، إما في أصلها، أو في ريعها . واختلفوا في كيفية زكاتها، وأرجح هذه الأقوال، وأقربها إلى الصواب، هو القول بالتفريق بين المساهمات التجارية فتأخذ حكم زكاة عروض التجارة، وبين المساهمات الاستثمارية ، والتفريق في المساهمات الاستثمارية، بين ما هو زراعي فيأخذ حكم زكاة الخارج من الأرض، وما هو حيواني فيأخذ حكم زكاة الحيوان، وهكذا … وتفصيل ذلك على النحو الآتي:
مالك الأسهم لا يخلو ، إما أن يكون قصده في التملك التجارة بها بيعاً وشراءً وهي ما تسمى بالأسهم التجارية، فيشتريها اليوم ليبيعها غداً أو بعد غد، طلباً للربح في تداولها وتقليبها، فهذا تجب الزكاة عليه في جميع ما يملكه من أسهم ، سواء كانت الأسهم زراعية، أم صناعية، أم تجارية، أم حيوانية… الخ، فيزكي أسهمه بحسب قيمتها السوقية ، كل سنة .
وإما أن يكون قصد المالك للأسهم الاستثمار بها، بحيث يستفيد من عائدها السنوي، وهي ما تسمى بالأسهم الاستثمارية، فهو لا يشتري هذه الأسهم بنية بيعها ، وإنما بقصد الاستمرار في تملكها، فهذا يزكي أسهمه بحسب طبيعتها، فإن كانت أسهماً في شركة زراعية، ومجالها الاستثماري في زراعة الحبوب والثمار، فتخضع لأحكام الزكاة فيما تخرجه الأرض من الحبوب والثمار مما يكال ويدخر، وإن كانت في شركة حيوانية كتربية الأنعام على سبيل الإنتاج والتسمين ، فتخضع لأحكام زكاة الحيوان ، وإن كانت في شركة تجارية تختص بتداول السلع بيعاً وشراءً كشركات الاستيراد ، فتخضع لأحكام زكاة عروض التجارة ، وإن كانت في شركة صناعية، كشركات الإسمنت والجبس والأدوية ونحوها، فتجب الزكاة في صافي أرباحها ، قياساً على زكاة ما يعد للكراء . وهذا القول المفصَّل هو الذي تجتمع به أدلة الزكاة ، وبه يرتبط الحكم بمناطه الذي أناط به الشارع وجوب الزكاة، وبه يزول التناقض والاضطراب الذي لحق ببعض الآراء المعاصرة.
وإلى هذا القول ذهب الشيخ عبدالله بن منيع (9)- حفظه الله - وغيرُه.
وفي هذه المسألة أقوالٌ أخرى ، ليس هذا التمهيد محل بسطها (10).
الفصل الأول
حقيقة الأسهم المتعثرة
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: واقع الأسهم المتعثرة:
في عصرنا الحاضر ، كثرت الشركات المساهمة وانتشرت، وتنوعت أغراضها وتعددت، وأقبل عليها الأغنياء ومتوسطوا الحال ، بل وربما محدودوا الدخل – بأموال حصلوا عليها بطريق القرض أو التقسيط – كل ذلك؛ لأجل تحصيل ما تجود به الأسهم من أرباح، دون مزيد عناء أو مشقة.