، وكذلك العروضُ والطلباتُ الوهمية التي تسبقُ افتتاحَ السوقِ بدقيقةٍ أو دقيقتين للتأثيرِ على السهم ، وهذا غشٌ وتدليس محرم ، وكذا العروضُ الضخمة التي يضعها المضاربُ في السهم ليوحي للمساهمين أنه سينزِل بينما هو يشتري في الحقيقةِ وعكسُه أيضا ، والتزويرُ للأعلى وللأسفل بينما المضارب يشتري ويبيعُ لنفسه ، وقد كُشفت حيلٌ عجيبة في هذا الباب ، وهذه الألاعيبُ هي في الحقيقة إضرارٌ بالمسلمين تسبب الخسائر الحادة في أموالهم ، والذي لا يعرف عن الأسهم وأحوالها شيئا هو الضحية الخاسر ، وقد دخل في هذا السوقِ من الجهلة من لا يعرف فيها نظاما ولا قاعدة ، ولا يكاد يعرف إلا الألوان ، وقد أجريت إحصاءات تَبيَّن من خلالها أن ثلاثة وسبعين بالمائة لا يعرفون سوى الأحمر والأخضر ..
عباد الله :
لا بد من إيجادِ حلولٍ لهذه المشكلات في التضخمِ التي تحصُل في السوق ، وهذه الحلول تكمن في صرِف الأموال إلى الاكتتاب بدل المضاربة ، لأن الاكتتاب هو إنشاءُ وإقامةُ شركاتٍ فيها نفع للناس ، وصرفُ السيولة في المشاريعِ الجديدة تخدمُ البنية التحتيةِ والفوقيةِ للمجتمع المسلم ، كما أنه ينبغي إيقافُ الشركاتِ الخاسرةِ حتى تعيدَ ترتيب أوراقها ، وكذلك إقامةُ وتشجيعُ شركاتٍ جديدة فيها نفعٌ للناس ليكتتبوا فيها وينتفعوا بالمساهمة من ورائها ، سواءٌ في الأرباح أو ببيعِ أسهما إذا صار وقتُ التداولِ بعد الاكتتاب ..
أيها المسلمون :
عندما تكون هناك فئة تلعبُ بالسوق ، ترفعُ الأسعار وتخفِضها باتفاقات خفية ، أليس هذا محرم شرعا .؟ إنه حرام ولا شك ، والمكاسب من وراء هذه الألاعيب حرام ، واللذين يقومون بها إنما يأكلون المال السحتَ الذي يوردهم النار ، وتسمع من يقول : إن التجارة شطارة ، ويا سبحان الله ، أتكمن الشطارة في إيقاع الآخرين في الخسائرِ والتغريرِ بهم وخداعِهم ، وقد صدقوا إذْ قالوا : إن التجارة شطارة ، فإن الشاطر في اللغة هو اللئيم الخبيث قاطعُ الطريق ، إن هذا التلاعب الذي شهده السوق في الأسابيع الماضية سبّب انهياراتٍ مالية ، وتخضم مالي كبير بغير مبرر ، وإن استغلال الغفلة التي يتصف بها بعض المساهمين ليست من الإسلام والمروءة في شيء ، ولذلك تكلم المتقولون في هذا الجانب بعلم وبغير علم ، وصار كثيرونَ خبراءَ في السوق يُدْلون بآرائهم ويكتبون في المنتدياتِ ويرسلون عبر الجوالاتِ ويعلّقون في الجرائد والصحف ، وكثيرون سمّاعون لهم ممن يجهلون حقائقَ الأمور ، وبناء على أقوالهم يبيعون ويشترون ، وعصاباتٌ تغدوا وتروح في سخط الله جل وعلا ، والنتيجة ضحايا من المسلمين ، لا شك أن مثل هذا الوضع مخزي ومردي ومهلك ، وهذه النتائج التي رأيناها في الشاشات من الخسائر هي نتيجةُ خلو البركة بسبب هذه الألاعيب ، إنها ليست خسائر طبيعيةٌ لكي نقول لأولئك المساهمين : ارضوا بالقضاء والقدر وهذا هو حال التجارة ، ربحٌ وخسارة ، ولا شك .. فإنه يجب الرضا بالقضاءِ والقدر في جميع الحالات ، ولكن أن يكون من وراء هذا تلاعبٌ واحتيالٌ ونصبٌ وخديعةٌ وإضرارٌ بأموال المسلمين ثم يقال : هذه تجارة ، كلا والله ، وهؤلاء اللذين اقترضوا بالربا ثم دخلوا في هذه المساهمات ، فقد ابتلاهم الله وعاقبهم بهذه الخسائر الفادحة ، لأنه لما انهار السوق ، أرادوا الخروج بأي طريقة كانت فما استطاعوا ما اهتدوا إلى ذلك سبيلا ، لأن الطلب على الشراء صفر ، والعرضَ هائل ، وهو يرى أرباحه تتآكل على الشاشة واللونُ الأحمر يستمر ويستمر ، ليصل التآكلُ إلى رأس المال ، ثم بعد ذلك يُطرد من السوقِ شرَّ طِرْدة ، وعليه حينها فإنه ولابد من تسديد الربا بالإضافة إلى المبلغ الأصلي الذي أثقل كاهله به ، وعندما يعطي البنك ما يسمى بالتسهيل المالي مقابلَ مبلغٍ معين يودعه هذا المضاربُ في البنك فيقول له مثلا : تودع مائة ألف لتضارب بها وأزيدك عليها مائة ألف ، فإذا بدأ يخسر في أسهمه إلى المائة الألف التي أخذها من البنك طرده البنك وباع أسهمه رغما عنه حتى يضمن البنك حقه ، ولا بد من تسديد البنك بعد ذلك ، وأصبح أناس بين عشية وضحاها ضحايا ركبتهم أنواع من الهموم والغموم والديون ، ولذلك صار من أحسن المشاريع علاجا لمن أصبح ضحية هذا الانهيار: العيادات النفسية ، فقام سوق الجلطاتِ وأمراضُ الضغطِ والسكري ومراجعةُ المستشفيات وسياراتُ الإسعاف وحالاتُ الهلوسة ، وأصبح من الناس من يكلم نفسه كالمجنون ، وهذا الذي يصلي أمام الشاشات إدمانا لها ، وثلاثة عشرة جلطة أصابت ثلاثة عشر شخصا ، وازدهر سوق المستشفيات وعلت الناس النوباتُ والسكتات القلبية ، وكل ذلك بسبب الأسهم وصدق الله " إن الإنسان خلق هلوعا ، إذا مسه الشر جزوعا ، وإذا مسه الخير منوعا " إنه أمر ظاهر في سوق الأسهم اليوم ، هم وغم ونكد ، وضيق صدر وهلع ، وتسمع الأخبار العجيبة من أحوال الناس وما آلت إليه أمورهم ، ثم سوءٌ عجيب حصل في العلاقات الزوجية بسبب تتبع البورصة بحسب حال الألوان ، فاصطبغت الحياة بألوان المؤشرات وانعكست تلك الألوان على الأمزجة والعقول والنفوس فحصل الطلاق والفرقةُ وهدمُ البيوت وتشتت الأبناء وعانت الأمهات وتفرقت الأسرة ، فأي حال هذه التي ألقى بها هؤلاء أنفسَهم فيها ، طيشان العقولِ عند نزول المؤشرات وهذه التأثيرات النفسية البالغة على النفوس والأرواح ، إنها كارثة خطيرة تجتاح المجتمع ، لا بد أن يتصدى لها أهل العلم والأخصائيون والاجتماعيون وعقلاءُ المجتمع ، فالمسألة ليست بهذه السهولة ، لأنها تحتاج إلى تأملات واستيضاح ،