تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عباد الله :

إن حاجة الأمة اليوم للمال عظيمة ، لتكون قويةً ولتصون نفسها عن ذلِّ أعدائها ، فأنتم ترون ما تفعله المؤسسات الدولية العالمية الماليةِ والتي يسيطر على كبار اليهود ، كيف يفعلون بالدول والشعوب الفقيرة من الإقراضات التي لها فوائد مركبة ، لا يمكن أن تسدّد حتى قيام الساعة ، لأنها لا تزال في ازدياد ..

عباد الله :

لقد جاءت طفرةٌ في عالم الأسهم هبّت رياحها على هذه البلاد ، وتُوِّجَ العام الذهبي قبلَ المنصرمِ ألف وأربعمائةٍ وخمسٍ وعشرين للهجرة النبوية بارتفاعٍ في الأسهم لم يسبِق له مثيل ، وبلغتِ القيمةُ السوقيةُ بخاناتِ تِلِرْيون بعد ما تجاوزت المليارات ، ودخل في هذا السوقِ من الناس الكثرةُ الكاثرة ، ولكنَّ هذا السوقَ فيه تلوّثٌ كبير وغش وتدليس وخداعٌ وإشاعات وأكاذيبٌ وخيانةٌ للأماناتِ وكشفٌ للأسرارِ واحتكارُ أشياء لا يجوزُ احتكارها وحركاتٌ غيرُ محسوبةٍ وتسريبٌ للمعلوماتِ مقابلَ أموالٍ ، لقد دخلت حمّى المضاربة فاجتاحت المجتمع ، حتى صارت حديثَ البيوتِ والرجالِ والنساءِ وطبقاتِ المجتمع من الأغنياء ومتوسطي الدخلِ وحتى الفقراء ، وصارت الشاشاتُ فتنةً للناس ، وأصبحَ التشاؤم في اللون الأحمر والتفاؤل في اللون الأخضر ، ويشهد المجتمعُ ظاهرةَ التعلّقِ المحموم بهذه الأسهم والاهتمامِ الشديد بها ، حتى طغت على أداءِ الحقوق وأشغلت الناس عن متابعةِ أحوال إخوانهم المسلمين ، وصار بيعُ المدخارتِ والممتلكاتِ والتهادي بالأسهم ، وأخذِ القروض بأي طريقةٍ ، وسرتَ المجالسُ بالحديث في التفاخرِ بامتلاك الملايينِ بسبب اللَهَاثِ خلفَ هذه المضاربات ، مؤشراتٌ عجيبة ، كمياتُ تداولٍ ضخمة ، قِيَمٌ سوقيةٌ رهيبة ، وهكذا .. بلغت قصصُ التحوُّلِ الفجائي إلى الثروةِ أمرا متنَاقَلا عبر الألسن ، وازدحمتْ صالاتُ التداولِ ، وصار الناس يعملون من خلال أماكنِ العمل في هذه الأسهم ، وأجريت دراسةٌ أحصت عدد الساعات المهدرة من الأعمال بثمانمائةِ ألف ساعةٍ يوميا بسبب الأسهم لخروجهم من الأعمال أو عكوفهم على الشاشات في وقت العمل ، وبعضُهم قام بتركيب خطوطِ هواتفَ خاصة في مقرِّ عمله لكي يعمل من خلالها ، وعندما يُعلَنُ الاكتتاب يزدحمُ الناس بتدافع وفوضى ، وتنشبُ المعاركُ في خطوط الانتظار وبين الموظفين والمراجعين ، وبين المراجعين أنفسِهم ، حتى وصلت القضيةُ إلى حدِّ كسرِ زجاجٍ أو اقتلاع بابٍ ، ويسقطُ أحدهم مغمى عليه ، فلا يتجرأ شخص لإنقاذه ، لأن الجميع يخشى فواتَ دورِه في الصف ، وتحولت المجالسُ والمقاهي والمنتدياتُ والمكالماتُ إلى بورصاتٍ للبيع والشراء ، طمعا في الثراء السريع ، واتجه بعض الناس للاقتراض بالربا المحرم الذي لعن الله صاحبه ، وبعضُهم دخل في عملياتِ تورُّقٍ ضخمة ، من أجل أن يحصُل على سيولةٍ ليتاجر بها في سوق الأسهم ، وصار النزاع بين الأزواج والزوجاتِ على حقِّ الزوجة الذي قضى عليه الزوج ، فاكتتب باسم زوجته وباع واشترى وهي لا تدري ، ثم حصل النزاع بين الزوجين على أسماء الأولاد ، من الذي له الحقُّ أن يكتتب بأسمائهم .؟ وهكذا رُهنت بيوتٌ وبيعت أماكنُ السكن من أجل الحصول على الأموال التي يتاجرون بها في هذا السوق ، وباع أناس مصالحَ معيشتهم ، وأغلقوا أبوابَ أرزاق عددٍ من العاملين فيها " والله يرزق من يشاء " حتى رُعاة الماشيةِ باعوا قُطعانهم ، وصار أحدهم يقول : لماذا أُتعب نفسي وأدخلُ في دواماتِ الكد والكدح والمشكلات مع العمال والسوق وأنا أستطيع من خلال ضغط الأزرار على هذه الشاشة أن أكسبَ أضعاف أضعاف ما أجنيه من وراء هذه الماشية ، ولم يفكر أولئك القوم أن هذه الحركاتِ اليسيرة عبر الشاشاتِ لا تبني شيئا في المجتمع ، إنها ليست عملياتُ تصنيع ولا زراعة ، وليس فيها تنميةٌ للمجتمع ، وليس فيها مما يفيد المجتمعََ شيءٌ على الإطلاق ، إنها نظرةٌ فرديةٌ فقط ، فالمساهِم ينظُرُ لذاته بغضّ النظر عن مصلحة المجتمع ، طفرة عجيبة أُصيبت بها الأسواق ، وصارت مكرَّرَاتُ الأرباحِ إلى مستوياتٍ لم يسبق لها مثيل ، وإذا كان مكرَّرُ الربحِ هو سعرُ السهم زائدِ العائدِ السنوي للسهمِ ، فتأمل في الوضع غيرِ الطبيعي على الإطلاقِ الذي يصلُ فيه مكرّرُ ربحُ شركةٍ من الشركات شبهِ المغلقة إلى تسعةِ آلاف ، وهذا الربح لم يحدث في البورصات اليابانية والأمريكية والعالمية على الإطلاق ، وهذا الكلام مهمٌ في تبيُّنِ حكمِ بعضِ أنواع الممارسات من هذه الجهات ، فإذا كانت الشركة شبهُ مقفلةٍ وأنشطتها في الحدود الدنيا ولا يكاد يوجد عندها شيء تبيعه ، ولا يكاد يوجد لها أرباح ، بل إنها في خسائر ، وربما لم يصبحْ لديها إلا ستة موظفين ، فكيف وبأي عقل وبأي منطق وبأي مقياسٍ يُصبح سعرُ سهما قريبا من ألف وقيمةُ السهم الحقيقية لا تتجاوزُ الستين ريالا ، ومعنى الكلام عباد الله : أن الناس يضاربون في الأوهام فيبيعون ويشترون في الأوهام ، وهذه الأنواعُ من الشركات التعاملُ بأسْهُما ضربٌ من الميسر والقمار ، وقد بان عوارها في الانهيار الذي حصل في السوق ، فهذا الارتفاع الذي لا يوجد له أيُّ مبرّرٍ في ارتفاعه ، فلا يوجد لها ميزانية أو أرباحٌ سنوية أو نصفُ سنويةٍ أو ربعُ سنوية تبرّر هذا الارتفاع ، إذا : هي مبنية على المخادعة والغش والتحايل ، وتغشى الأسهم عبادَ الله محرمات كثيرة ، ومن ذلك : نشرُ الشائعاتِ غيرُ الصحيحة ، من أجل التأثير على سعر السهم ، وتسريبُ الأخبارِ لأناسٍ معينين لقاءَ مبالغَ مالية

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٤٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٤٩٣