تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولعل هذا السبب هو الذي حدا بمجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلام إصدار قرار يتراجع فيه عما صدر عنه سابقًا بخصوص التورق، فإساءة استخدام هذه العملية، جعلها حيلة على الربا.. وهنا قد لا نتحدث عن مجرد إساءة استخدام المباح، ولكننا نتحدث عن الدروج على المباح لجعله أصلا وسنة متبعة، حتى وإن كان في أصله مباحًا ..

ويشرح الشيخ الدكتور تقي عثماني - وهو من أعمدة الاقتصاد الإسلامي المعاصر - هذه القاعدة الشرعية -حكم الفرد ليس حكم الكل، والإباحة ليست سنة - بمثال رائع، يقول لو أن رجلا يسير بسيارته في طريق طويل ثم اعترضته إشارة مرورية، وبجانبها محطة وقود، فاتخذ من محطة الوقود وسيلة لتجاوز الإشارة الضوئية، فإن فعله هذا جائز ولا يتضمن أي مخالفة قانونية، لكن لو أصبح كل من أراد التوقف عند تلك الإشارة الضوئية يتخذ هذا الطريق بديلا عن الطريق الأصلي أو لو أصبح هو الطريق الأصلي للمرور وتجاوز إشارة المرور، لأدى ذلك إلى فوضى في السير، واضطراب في عمل محطة الوقود، ونحو ذلك من المفاسد المترتبة على الأخذ بمباح من الفعل.

ذكرني مثال الشيخ تقي هذا بمثال القشة، فقد مر أحد السلف مع ابن له صغير بحائط، فأخذ منه الطفل عودًا من قش، فنهاه أبوه عن ذلك، فقال الابن مستغربًا إنها مجرد قشة لا تؤثر في الحائط شيئًا، فأجاب الأب قائلا: فكيف لو أن كل واحد أخذ قشة من الحائط !

-5-

وقد يثور سؤال تلقائي هنا، وهل المطلوب أن نحرم تلك المعاملات، أو نمنع منها؟ والجواب أن على أهل العلم أن يبينوا للناس حقيقة تلك المعاملة وأنها لو جازت مرة أو مرتين فلا يجوز بحال أن تتخذ وسيلة اقتصادية، فلا بد أن يشفعوا القول بالجواز، بيان الفرق بين هذا الجواز وبين النهج الاقتصادي الأمثل، وأن القول بجواز حالة أو حالتين، لا يعني أبدا سنية العمل بهذه المعاملة، واتخاذها نهجا وطريقا.

بل لم لا نقول بأن اللجان الشرعية عليها أن لا تصدر فتوى مكتوبة بجواز معاملة من المعاملات إلا إذا كانت تلك المعاملة مما يسوغ استخدامه نهجًا اقتصاديًا لذلك المجتمع، وعليهم الكف عن إصدار الفتاوى التي تبين مجرد جواز تلك المعاملة، إلا يفعلوا ذلك فإنهم يساهمون في تدمير اقتصاد المجتمعات الإسلامية باسم الإسلام والشريعة الإسلامية، فضلا عن أنهم يساهمون في إدخال ما ليس من الدين فيه.

-6-

وبعد ذلك، فإننا نخلص إلى أن ثمت معالم منهج آخذ في التشكل من خلال ممارسات المشتغلين بالاقتصاد الإسلامي خلال العقد أو العقدين الماضيين، إنه نهج غريب شاذ على طبيعة الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي، إنه نهج الحرفية المقيتة في النظرة إلى المعاملات المالية، فإنه ينظر إلى المعاملة في أصغر صورها وأدقه، بصرف النظر عن مآل تلك المعاملة، أو مآل هذه المعاملة إذا ما اتخذت منهجا اقتصاديًا، وهذا النهج أهمل بالكلية الآثار السلبية القاتلة للمتاجرة بالأسهم بهذه الطريقة على أي اقتصاد وطني ، و قصر نظره على مجرد جواز بيع السهم أو شرائه، واجتهد في وضع قائمة بالأسهم النقية، وأخرى بالأسهم المحرمة، وثالثة بالأسهم المختلطة، وما وجدناه انبس ببنت شفة ولا التفت هو، ولا لفت نظرنا - حتى مع القول بجواز الاتجار بالأسهم النقية أن كان يوجد منها شيء - إلى حقائق غائبة عن المتجرين في هذا السوق، والتي منها:

- توقف الناس عن الاستثمار الحقيقي، والذي يتمثل في الإنتاج الصناعي وما يتبعه من خدمات، فخسرت بعض دول الخليج المصدرة للنفط وهي في أعلى مستويات دخلها فرصة ذهبية، ما أثمنها لو استغلت - لكنها ما زال المجال مفتوحا بحمد الله تعالى - في المضي قدما نحو الولوج إلى العالم الصناعي،،لتكون من الدول المتقدمة..

- إسراف الناس في القروض بجميع أنواعها، البنكية المحرمة، و"الإسلامية"، وعمليات التورق، والقروض العائلية، وتحمل الناس نتيجة لهذا الإسراف في الاقتراض ديونًا باهظة لا ينوؤون بحملها، الأمر الذي عرض عشرات الآلاف منهم للسجن والملاحقة، ومن قبل ومن بعد للسجن النفسي الذي يكون غالبًا أسوء من السجن الحقيقي، فشلت حركة المجتمع بسبب هذه الأغلال والآصار.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٤٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٤٧٥