تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد كان الشيخ الدكتور الصديق الضرير موفقًا وثاقب النظر يوم أن ذهب إلى القوم بأن بيع الأسهم وشرائها يجوز إذا كان بينة تملك ما يصدق عليه السهم وهو الحصة الشائعة من ممتلكات الشركة، ويمنع من هذا البيع والشراء إذا كان من أجل المتاجرة بالسهم بالطريقة التي نشاهدها في أسواق الأسهم.

في النصف الثاني من العقد المنصرم استشرى بين أصحاب الدخل المحدود من الطبقة المثقفة في الخليج العربي، وبالذات في السعودية المتاجرة بالأسهم العالمية، مثل مايكروسوفت، وانتل، وجي إي، وغيرها، جرى بحث مع بعض الباحثين وطلبة العلم، في حكم هذه المتاجرة، وعرضت ورقة تشير إلى أن هذا النوع إنما هو أقرب إلى المقامرة منه إلى المتاجرة المشروعة، ناهيك أن ينبغي علينا أن نعيد النظر في تكييف الأسهم من الناحية الفقهية، فهل هي ورقة مالية جديدة قائمة بذاتها بعد أن يبدأ التعامل بها في السوق، أم أنها صك إثبات تَملّك حامله لجزء مشاع من الشركة؟ وكان الميل في البحث المعروض إلى أنها ورقة مالية قائمة بذاتها ومستقلة، فجاءت النصيحة من بعض الأخوة أن لا تنشر هذه الآراء، أو التساؤلات، لأنها ستثير السخرية من قبل الجميع...أما الآن – ولست أدري هل هو بعد فوات الأوان أم لا - فإن الكثير تجرء على التصريح بذلك ..

لكن بالرغم من هذا كله، فأنه لا يستبعد أن تكون هذه الهزة الاقتصادية مجرد حدث عابر، ستسارع ذاكرتنا للفه في طي النسيان، كما طوى النسيان ما يسمى بالاثنين الأسود، ومناخ الكويت وغيرها، ولن يلبث المتعاملون في الأسهم، وطائفة من المشايخ، وطلبة العلم، إلا ويعيدوا الكرة من جديد، وهكذا دواليك..

-4-

هذا، ويبدوا للباحث أن أحد أهم أسباب مشكلات ممارسات الاقتصاد الإسلامي الآن عدم التمييز بين مجرد جواز المعاملة، وبين اتخاذ هذه المعاملة نهجًا اقتصاديًا متبعًا، وشتان بين مجرد الإباحة، والسنة، وهذا وإن كان لا يصدق في بعض الأمثلة، إلا أنه يصدق في أمثلة كثيرة جدًا، ولذا فلا يجوز أن تتخذ مجرد الإباحة دليلا على جواز شيوع معاملة من المعاملات، أو فعل من الأفعال، فلو ذهب إنسان إلى أن صلاة الجماعة في المسجد غير واجبة، وتخلف عن الحضور في المسجد ليصلي جماعة مع أهل بيته، فربما توجه الكفّ عن إنكار هذا الاجتهاد عليه، لكن لو أصبح هذا ديدن أهل قرية أو مدينة من المدن، لتعطلت المساجد، وتعطلت شعيرة من أهم شعائر الإسلام!! فوجب الإنكار حينئذ.

وفي المعاملات الاقتصادية، فإن بيع المرابحة للآمر بالشراء جائز عند الجمهور، لكن البنوك الإسلامية اتخذته أصلا ووسيلة للتمويل، فأصبح سنة متبعة، وليس مجرد معاملة جائزة، فنتج عن ذلك صور كثيرة من التمويل، وثيقة الشبه بالربا المحرم، ففي التمويل العقاري مثلا، يقوم البنك بتفويض المشتري ليشتري المنزل الذي يريده بالنيابة عن البنك مرابحة، فيقوم المشتري بشراء المنزل من أجل البنك، ويقوم بدفع القيمة التي أخذها من البنك كوكيل في الشراء للمالك، وحالما يوقع هذا العقد، يقوم بإجراء عقد آخر يتم من خلاله شراء المنزل من البنك بالتقسيط، بصرف النظر عن تولى هذا العميل طرفي العقد أم لا، المهم أن المنزل ينتقل من المالك الأصلي إلى ملك البنك لمدة ثوان معدودات، ثم ينتقل مرة أخرى بمعاملة أخرى إلى ملك العميل من خلال شرائه له بالتقسيط، والصورة الكلية للمعاملة تظهر وكأن البنك أقرض العميل مالا ليشتري به منزلا، على أن يرد العميل هذا المال بالتقسيط مع زيادة ...

وفي إحدى جلسات المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي والتي انعقدت في مدينة الرياض قبل عدة سنوات، قال أحد المتخصصين في الاقتصاد في معرض مناقشته لبعض المسائل المطروحة للبحث: ونحن متفقون على التقليل من المرابحة ما أمكن!.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٤٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٤٧٤