تستغرق هذه العملية بضعة أيام أو أسبوعا واحدًا ما بين طلب العميل، وحصوله على النقد، وحينما يحصل على النقد فإن البنك يقول له، هذا ليس قرضًا، ولكنه قيمة البضاعة التي بعناك إياها بالآجل، ثم بعناها عنك بالعاجل ! وعليك الآن أن تسدد لنا على أقساط قيمة تلك البضاعة، علما أن مجموع الأقساط - طبعًا - سيكون أكبر من القيمة التي حصل عليها العميل..
يجري ذلك كله، ولم ير العميل بضاعة في حياته، ولا رأى أطنان الحديد تلك، ولا سبق أن باع واشترى في السوق العالمية، بل إنه قد قبض النقود ولما يقتنع أبدًا بصحة ما قاله له البنك "الإسلامي" من أن تلك النقود ليست قرضًا يرده بزيادة، لم يقتنع بذلك لأن المعاملة كلها من أولها لآخرها تمامًا مثل معاملة القرض الربوي من البنك التجاري، مع اختلاف يسير في المدة الزمنية وكمية الأوراق التي يوقعها..
هذه الطريقة هي إحدى أشهر طرق القروض "الشرعية" التي تقدمها البنوك الإسلامية.
وحينما جرى النقاش مع بعض المسؤولين في تلك البنوك عن شرعية هذه المعاملة، أجاب بقوله: وما الخطأ في تلك المعاملة! البيع من البنك للعميل بالآجل صحيح، وتوكيل العميل للبنك بقبض البضائع صحيح، وبعض أهل العلم لم يشترط قبض البضائع من غير الأطعمة، ثم توكيله أيضا للبنك حتى يقوم ببيعها بالنيابة عنه صحيح فأين الخطأ في ذلك !
وهكذا فُتّت أكثر المعاملات الربوية المعاصرة، وغيرت تغييرات طفيفة في الشكليات وما يسمى بالعمل الورقي والمكتبي، وأصبحت المعاملة شرعية مائة بالمائة...
وهكذا عُطّلت مقاصد الشريعة الجزئية في باب البيوع، بل أتى الاقتصاد الإسلامي المعاصر بشكله الحالي بنقيض تلك المقاصد، الأمر الذي أدى وسيؤدي إلى انهيارات في الأسواق المالية بشتى صورها.
-3-
لقد كان بعض أهل العلم بعيدي النظر، يوم "تحجروا" في نظرتهم تجاه بعض تلك المعاملات المالية، وتجرأ كثير منهم الآن للبوح ببعض ما كان يكن في نفسه من رفض لشرعية تلك المعاملات، بل إن بعض أهل العلم ممن عرف عنه تساهله في تلك المعاملات، عاد ليقول الآن بأن الرأي القائل بعدم جواز التعامل في الأسهم بالطريقة الحالية قول وجيه، وقرأت مقالته تلك وأنا في حالة من الدهشة الممزوجة بالغضب، لكنه زال حينما وجدت أحد المعلقين على تلك المقالة معلقا على تلك المقالة بطريقة عامية بقوله :"ومن ورط الناس في تلك التعاملات يا شيخ فلان؟" نعم من أوقعهم في ورطة تلك التعاملات؟ ألم تساهم تلك الفتاوى في تشجيع الناس – ولو بصورة غير مباشرة - للدخول في تلك التعاملات؟.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن تلك الفتاوى والتي أقبل عليها الناس، وأقبلت عليها القنوات الفضائية ومواقع الانترنت فنشرتها، ساهمت في إضعاف أو حتى إخماد الصوت الرافض لهذا النهج الاقتصادي، فقليل هم الذين سمعوا قول بعض أهل العلم الذي يمنع من بيع وشراء الأسهم في سوق الأسهم، وقليل هم أولئك الذين تأملوا في أسباب ذلك المنع، والتي منها المشابهة الكبيرة بين عمليات شراء الأسهم وبيعها بعمليات المقامرة المحرمة، فالمتاجر بالأسهم يشتري الأسهم التي يظن أن قيمتها سترتفع، ويراقب شاشة الأسهم، وما أن ترتفع إلا وقام ببيعها مباشرة حتى ولو كان بين عملية البيع والشراء دقائق، هذا مع العلم بأن ارتفاع وانخفاض الأسهم عدا رهين عوامل غير رئيسية التأثير فيما لو كان السهم سلعة حقيقة تمثل جزءًا شائعًا من ممتلكات الشركة – كما يقال عادة – فالتضاعف أو الانخفاض الفلكي للقيمة السوقية للسهم، لمجرد سمعة، أو شائعة، أو توقعات كبار المستثمرين، أو نحو ذلك مما يقرب السهم من سهم القمار، الذي ليس له قيمة حقيقية.
ولا يمكن أن يقارن هذا الارتفاع والانخفاض بما يحدث لبعض السلع الحقيقية التي يزداد الطلب عليها، لأن حدوث ذلك لتلك السلع إنما هو حدوث مؤقت طارئ محدود ومرتبط ارتباطًا وثيقًا بحاجة الناس إلى تلك السلعة، ثم إن العلماء قد تحدثوا عما يجب علي ولي الأمر تجاه هذا الارتفاع في قيمة بعض السلع التي يحتاجها الناس، فلا يمكن مقارنة هذا بتلك الارتفاعات الفلكية التي تحصل في سوق الأسهم، والتي أصبحت السمة الغالبة على طبيعة تلك الأسهم.