فبعد أن كان طريقة التعاطي مع الأنظمة الاقتصادية الرأسمالية الكبرى، يقوم على فكرة المنع، والاكتفاء بالأوضاع السائدة، دون طرح البديل: ظهر علماء مختصون، كان همهم مصروفا في إنشاء أنظمة بديلة تغني، وتتوافق مع الشريعة.
نشأ جراء هذا الجهد: بنوك إسلامية، ترفض فكرة القرض الربوي (وإن كانت لم تسلم من ملاحظات على طريقة أدائها !!). وأسلمة بعض البنوك العادية الربوية.
كان لهذا التغير، في استراتيجية التعامل مع القضايا العصرية الاقتصادية، أثر إيجابي على سوق الأسهم، حيث لم يلق معارضة ومنعا، كالذي لقيته البنوك حين بدأت. فقد كان المختصون الشرعيون الاقتصاديون جاهزين بأبحاثهم وفتاواهم لهذا الجديد، فما أن فتح أبوابه للتعامل، وبدء التداول إلا وكان عند الناس القدر الكافي من العلم والفتوى لمعرفة كيفية الدخول والمشاركة بالبيع والشراء.
وبعد أن كان الهمّ مصروفا لرفض فكرة البنوك جملة وتفصيلا، صار المهم: معرفة ما يجوز شراؤه من الأسهم وما لا يجوز. وكان هذا من حظ هذا السوق، والذين يملكون زمامه.
نعم بين سوق الأسهم والبنوك فرق جوهري.. هذا صحيح.
فالبنوك تقوم على معاملات محرمة يقينا، لكون الربا أصل في وجودها.. أما سوق الأسهم فيقوم على البيع والشراء: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾.
غير أن سوق الأسهم فيه من البلايا، والتي ظهرت ككوارث بعد حين، ذاق مرارتها أكثر الناس: ما يجعله تحت النظر والريبة؛ في طبيعة معاملاته، ومدى مشروعية هذا النوع المعاملات السريعة في: آليتها، وربحها، وخسارتها. ليس في كونها بيعا وشراء أصله مباح.
وهكذا انساق الناس جميعا - إلا من حذر، واتقى - من دون أي حذر من مخالفة شرعية، فالقوائم موزعة، ومقسمة إلى: نقية، ومختلطة، ومحرمة.
فالنقية والمحرمة لا كلام فيها، فأمرها واضح.
والكلام في المختلطة، التي تضاربت الأقوال حيالها، ما بين محرم، ومبيح بحسب نسبة الحرام فيها، على اختلاف بينهم في تحديد هذه النسبة.
وهذه المختلطة تمثل نسبة كبيرة من أسهم السوق، إن لم يكن الأكبر، واختلاف المختصين فيها، كان ذريعة لتهافت الناس على الشراء منها، فأكثر الناس لا يبتغي سوى بصيص فتوى بالإباحة، ولو بالشبهة؛ ليتهافت على ما يظنه طريقا لربح وزيادة دخل.
وإذا أضيف إليها النقية، فهمنا كيف أن الباب اتسع جدا لدخول الملايين من الراغبين الطامعين في تحقيق الأرباح السريعة.
وما بين عشية وضحاها: انقلب حال الناس، فصاروا أسرى سوق الأسهم..!؛ فالسوق هو الذي يسجنهم متى ما أراد، وهو الذي يطلق سراحهم متى شاء !!.
دخل الناس سوقا لا يملكون من أمره شيئا، ولا يقدرون على شيء سوى الفرجة والمراقبة. لا يدركون كيف يتحرك، ولا كيف يسير، وفي أي اتجاه..؟!!.
ولا شك أن سيره ليس بقدر محض، ليس فيه اختيار، بل هناك من يحركه، ويؤثر فيه، لكنه قطعا لم يكن هذه الجموع المتربصة ربحا، وزيادة دخل يحسن من أوضاعهم، ويزيل عنهم بعض معاناة الحياة، أو يزيد شيئا من رفاهيتهم.
لقد كان الأمر بيد فئة لديها الخبرة الكافية، والآلات والأدوات اللازمة للتحكم في السوق..!!.
دخل الناس في لعبة خطيرة، على كافة الأصعدة، وهم يجهلون قواعدها التجارية، والشرعية، والرأسمالية. دخلوها بأموالهم كلها، أو بعضها، أو أموال غيرهم، أو أموالهم أولادهم وآبائهم، غير معتبرين تحصيل المال من حلّه الواضح، ولا حذرين من أن يشغلهم ويلهيهم عن ذكر الله تعالى.
فاقتحموا المختلط، وبعضهم حتى المحرم، وغرقوا في السوق، فأشغلهم عن ذكر الله تعالى، وعن أعمالهم، وأولادهم، وأزواجهم، وبيوتهم. فأصبحوا وأمسوا في صالات الأسهم، فأضروا بأنفسهم، وبالمصالح العامة والخاصة، فكانت هذه أول الخسارة، وأول الثمرة لتجارة مريبة كهذه.
وما كانوا ليستفيقوا.. لولا أن ما أتوا من أجله، وباعوا كل شيء من أجله، وبذلوا كل شيء من أجله: عاد عليهم بالخسارة الثقيلة، والفاجعة العظيمة..؟!!.