تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفرع الثالث

مناقشة الأدلة و الترجيح

في ضوء ما تقدم نرى أن كلاً من الفريقين - يرحمهم الله تعالى - قد جاء بأدلة قوية لتدعيم اجتهاده القائلون بوجوب اقتران التغرير بالغبن حتى يكون للغبن مفعوله لفسخ العقد استدلوا فيما اجتهدوا به بالحديث و الأثر و المعقول .

بالنسبة للحديث فهو حديث صحيح رواه البخاري و مسلم - رضوان الله عليهما - و غيرهما و وجه الاستدلال بهذا الحديث ربما يدل على وجوب اقتران التغرير بالغبن لثبوت الخيار ، و لكن أيضاً يمكن أن يستدل على أن الغبن وحده كاف لثبوت خيار الغبن لأن الخلابة تعني الخديعة ومن الخديعة الغبن في السعر .

أما بالنسبة للأثر المروي عن ابن عمر رضي الله عنهما فهو صحيح أيضاً بيد أنه يمكن أن يفسر بطريقة ثانية ، وهي أن ابن عمر قد ظن أنه غبن عثمان بن عفان ، و هذا الظن قد تولد بعد خروج ابن عمر من المجلس لقوله : فلما وجب بيعي رأيت أني قد غبنته " فعبد الله قد ظن بالغبن بعد خروجه من المجلس و ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين .(21)

فعبد الله بن عمر و عثمان بن عفان قد تبايعا بعد أن تساوما و تماكسا و علم كل واحد منهما أنه غير مغبون في بيعه أو شرائه ثم تولد الشك بالغبن عند ابن عمر ، بيد أن عثمان بن عفان ظل على يقينه بأنه لم يغبن ، ولو كان غير ذلك لطلب فسخ العقد ، والله سبحانه أعلم .

أما بالنسبة لما أورده ابن عابدين من حجج ، فيكم الرد عليها بما يلي :

أن قول ابن عابدين أن التجارة مبنية على الربح و الخسارة فهذا القول صحيح لا غبار عليه أبداً .

أما قوله أن هذا الربح يمكن جنايته عن طريق التغابن فهذا لا يصح على الإطلاق . فالغبن سواء أكان يسيراً أو فاحشاً فهو سحت لا يجوز أكله ، بيد أن قيده بالغبن الفاحش ليكون له أثر في العقود لكثرة وقوع الغبن اليسير و عدم أهميته بالمقارنة مع ما يثيره من مشاكل أما القضاء المزدحم بالقضايا الأكثر أهمية و خطراً منه أي الغبن الفاحش المعتبر أمام القضاء لأهميته و خطورته على السوق و أهله ، فالربح لا يحل للتاجر المسلم ، إلا إذا سلمت معاملاته التجارية من الحرام . أما إذا اشتملت على محرم كالتجارة بالأعيان المحرمة مثل الخنازير و الخمور .... إلخ أو التعامل الربا أو الاحتكار أو الغش أو التدليس ، أو إخفاء سعر الوقت أو التطفيف و نحوها فإن ترتب عليها من الربح يكون حراماً (22) فالربح الحلال لا يكون عن طريق الغبن الفاحش أو اليسير ذلك أن الربح شئ و الغبن شئ آخر و لا تلازم بينهما أبداً .

فالغبن هو ما نقص أو زاد على سعر السلعة في السوق أما الربح ، فقد يتحقق و يزيد على سعر السلعة أضعافاً من دون أن يكون هناك أي غبن كأن ياتي أحد التجار بسولع بسعر رخيص من خارج بلدته ُمن يبيعها بسعر السوق مما قد يحقق ربحاً و قدره أكثر من 100% أو ربما أكثر من 200% و دون أن تعتبر ذلك غبنا فاحشاً .

ذلك أن الإسلام لم يضع أي حد للربح بل ترك الأمر مفتوحاً حسب ظروف السوق و أحواله بشرط عدم الغش والغرر و الظلم بين المتعاقدين .

أما بالنسبة لقول ابن عابدين : ليس من مهمة المشرع أن يمنع التغابن المجرد عن الغش والخديعة ... ) .

فإن هذا القول يمكن رده بأن المشرع يمنع كل أنواع الضرر الواقع على السوق الإسلامية و أهله ، لذلك نرى الشارع الحكيم حرم الربا بكل أنزاعه و أشكاله و درجاته و ما الربا حقيقة إلا نوع من أنواع الغبن .

أما بالنسبة للرد على القول القائل بأن على الإنسان أن يحمي نفسه من الغبن و عن قصر في ذلك فتبعة المهمل يجب أن تكون على حسابه .

فهذه الحجة من السهل الرد عليها ذلك أن الشريعة الإسلامية عادلة تحمي الضعيف من القوي كما تحمي القوي من أكل أموال الناس . لذلك نراها قد حرمت تلقي الركبان ، و بيع الحاضر للبادي و ، بيع المسترسل حماية للضعيف من ظلام السوق .

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٢٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٢٢٦