وجه دلالة هذا الأثر أن عبد الله بن جعفر و ابن عمر رأيا رد هذا البيع بسبب إشابته بالغبن المجرد الذي لم يشوبه التغرير أيضاً .
2. عن أبي بن كعب أن عمر بن الخطاب ، والعباس بن عبد المطلب تحاكما إليه في دار كانت للعباس إلى جانب المسجد أراد عمر أخذها ليزيدها في المسجد و أبى العباس ، فقال أبي ابن كعب لهما : لما أمر سليمان بناء بيت المقدس كانت أرضه لرجل فاشتراها سليمان منه فلما اشتراها قال له الرجل : الذي أخذت مني أم الذي أعطيتني ؟ قال سليمان : بل الذي أخذت منك ، قال : فإني لا أجيز البيع فرده ، فزاده ، ثم سأله ؟ فأخبره فأبى أن يجيزه .9
و جه الاستدلال بهذا الأثر أن الغبن المجرد موجب لفسخ العقد على الرغم من عدم اقترافه بأي تغرير .
د- المعقول :
أن الغبن ظلم و الله قد حرم الظلم على نفسه و جعله محرماً بين عباده ، و الشريعة .
عن أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، عن الله تبارك و تعالى قال : يا عبادي ! إني قد حرمت الظلم على نفسي ، و جعلته محرما بينكم فلا تظالموا .10
فالشريعة الإسلامية حاربت الظلم بكل أنواعه و أشكاله و جعلته محرماً بين العباد .
و الغبن هو إحدى الأشكال التي حاربها الإسلام ، فدعى المتعاقدين إلى عدم أكل أموال بعضهم البعض إلا عن تراض .
قال تعالى : ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ) ( النساء : 29 ) .
الفرع الثاني
الغبن المقترن بالتغرير موجب لفسخ العقد
ذهب إلى هذا الاجتهاد رأي راجح عند الحنفية11 و الشافعية12 و المالكية في رأي راحج 13 و الحنابلة 14.
و استدل هؤلاء الفقهاء بعدم الاعتداد بالغبن إلا إذا كان مقترناً بالتغرير بالحديث النبوي الشريف و العقل السليم .
أ - الحديث النبوي الشريف :
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً أن رجلاً ذكر للنبي صلى الله عليه و سلم أنه يخدع في البيوع ، فقال : إذا تبايعتم فقل : لا خلابة .15
قال ابن حجر : كأنه أشار بهذه الترجمة - أي الإمام البخاري - إلى أن الخداع في البيع مكروه و لكنه لا يفسخ البيع إلا إذا شرط المشتري الخيار على ما تشعر به القصة المذكورة في الحديث .. و استدل بهذا الحديث لأحمد و أحمد في قولي مالك أنه يرد بالغبن الفاحش لمن لم يعرف قيمة السلعة و تعقب بأنه صلى الله عليه وسلم إنما جعل له الخيار لضعف عقله و لو كان يملك به الفسخ لما احتاج إلى شرط الخيار .16
و قال الشوكاني : استدل بهذه القصة على ثبوت الخيار لمن قال لا خلابة سواء غبن أم لا ، و سواء وجد غشاً أم لا ...... و الظاهر أنه لا يثبت الخيار إلا إذا وجدت خلابة .17
ب - الأثر :
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : بعت من أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه بالوادي بمال له بخيبر فلما تبايعنا رجعت على عقبي حتى خرجت من بيته خشية أن يرادني البيع ، و كانت السنة أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا ، قال عبد الله : فلما وجب بيعي و بيعه رأيت أني قد غبنته بأني سقته إلى أرض ثمود بثلاث ليال ، وساقني إلى المدينة بثلاث ليال .18
وجه الاستدلال بهذا الأثر أن ابن عمر قد غبن عثمان رضي الله عنه و مع ذلك لم يفسخ العقد لما يدل على أن الغبن المجرد ليس له أثر إلا إذا اقترن بالتغرير .
ج- المعقول :
1. قال ابن عابدين : إذ الرد مطلقاً ليس أرفق بالناس بل خلاف الأرفق ، لأنه يؤدي إلى كثرة المخاصمة و المنازعة في كثير من البيوع إذ لم تزل أصحاب التجارة يربحون في بيوعهم الربح الوفير ، و يجوز بيع القليل بالكثير و عكسه(19) .
2. ليس من مهمة المشرع أن يمنع التغابن المجرد عن الغش و الخديعة إنما مهمته أن يقيم المتعاقدين على قدم المساواة في الأهلية و الحرية كما أن على كل إن يحمي نفسه من الغبن و إن قصر في فتبعة المهمل أن تكون على حسابه .(20)