تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واعلم أن الرشوة سحت وكل جسد نبت من السحت أي من الحرام فالنار أولى به .

فكم من حق ضاع وكم من ظلم شاع وكم من باطل ذاع بسبب أخذ الرشوة وأكل مالها الحرام و والله ليسأل صاحب الرشوة عن ماله في قبره قبل وقوفه بين يدي ربه سبحانه الذي لا تخفى عليه خافية ولا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء بل بركة المال الحرام ممقوته ممحوقة وصاحبها يعيش في نكد وهم وضيق وغم خوفاً من افتضاح أمره وانكشاف سره وهتك ستره فانظر كيف حال أهل الرشوة وأكله المال الحرام خوفاً من العباد ونسياناً لرب العباد .

إن الغنى هو غنى النفس وتطهيرها من الحرام وليس الغنى بكثرة العرض من الدنيا .

ولقد تعددت أسماء الرشوة وأصبح الناس يسمونها بغير اسمها فمنهم من يسميها (هدية) أو (إكرامية) أو غير ذلك وكل ذلك مخادعة لله تعالى الذي يعلم السر وأخفى الذي يعلم ما تخفيه الضمائر وتسره السرائر يقول تعالى ( يخادعون الله وهو خادعهم ) 170

ومن أشد أنواع الرشوة جرماً وغلظة وتحريماً ما كان أخذها يسبب ظلماً للناس والظلم حرام بجميع أنواعه وأشكاله وصوره فالله جل وعلا يقول ( وما للظالمين من نصير) 18 .

وجاء التحذير من الظلم العباد على لسان المصطفى r حيث قال ( اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) 19 .

واعلم أيها الحاج وأيها المسلم أن أخذ الرشوة من أسباب دخول النار والعياذ بالله لما فيها من أكل لحقوق الناس وإزهاق للحق وإظهار للباطل وذلك تخوض في مال الله بغير حق وأكل له بالباطل واقتطاع لحقوق المسلمين قال r ( إن رجالاً يتخوضون (يتصرفون) في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة) 20 .

ومهما بلغ الإنسان من مال من جراء كسب من الحرام من رشوة أو غيرها فهو خبيث عند الله وصاحبه ملعون مطرود من رحمة الله وعليه وزر ذلك المال وعليه دعاء من وقع في مظلمته حتى يردها إلى صاحبها قبل أن تكون يوم القيامة ثم لا درهم ولا دينار وإنما هي الحسنات والسيئات فأحذر يا آكل الرشوة من عاقبتها الوخيمة وخاتمتها السيئة فقد تقع فريسة للموت قبل التوبة فتقول ياليتني تبت قبل فوات الفوت .

ومن أعظم وأفظع أنواع الرشوة ما يُعطاه الحكام ليحيفوا في حكمهم ويجوروا في عدلهم فيحقون الباطل ويبطلون الحق فهم بذلك أخبث الناس وفي أسفل المنازل وأقبح الخلق عند الله ولهذا حذر ربنا تبارك وتعالى من إعطاء الأموال للحكام لأكل أموال الناس بالباطل أو الحصول على حق امرئ مسلم بغير حق فقال تعالى ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون) 21 .

وقال r ( لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم) 220فالإسلام حرم الرشوة في كل صورها وبأي أسم سميت ولا يخرجها ذلك من دائرة الحرام إلى الحلال .

فاتقوا الله أيها الحجاج واتقوا الله أيها المسلمون وتوبوا إلى الله جميعاً لعلكم تفلحون وترشدون خلصوا أنفسكم من المال الحرام قبل أن تحاسبون عليه في قبوركم وعند ربكم فالأمر خطير والخطب جسيم والله سميع بصير وبكل شئ عليم ولا يظلم مثقال ذرة واعلموا أن الله يمهل ولا يهمل فإذا أخذ الظالم أخذه أخذ عزيز مقتدر فاعتبروا يا أولي الأبصار .

اللهم إنا نعوذ بك من درك الشقاء وشماتة الاعداء وسوء القضاء ونعوذ بك من قلب لا يخشع وعين لا تدمع ومن بطن لا يشبع ومن دعوة لا يستجاب لها0 وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والحمد لله رب العالمين .

الدرس الحادي عشر : الظلم :

إن الله جلا وعلا عليم حكيم لا يأمر ولا ينهى إلا لحكمة بالغة قد يعلمها بعض الناس وقد لا يعلمونها ومما كان له حكمة بالغة تدل على خالق عظيم رؤوف رحيم تواب حكيم تحريمه تعالى للظلم فقد جاء في الحديث القدسي قوله تعالى ( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)23 .

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٢٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٢٠٣