وقال r ( اتقوا الظلم فأن الظلم ظلمات يوم القيامة ) 24 .
فالظلم حرام بجميع صوره وأشكاله ولهذا أوجب الله طرد الظلمة من رحمته سبحانه وإبعادهم من مغفرته وذلك بلعنهم فقال تعالى ( ألا لعنت الله على الظالمين ) 25وأعلم أيها الحاج الكريم أن الظلم أنواع ثلاثة :
أولها: ظلم العبد لربه وذلك بكفره بربه سبحانه .
ثانيها: ظلم العبد لنفسه بإهلاكها وإقحامها ما لا تطيقه من الأعمال والأقوال وتعدي حدود الله عز وجل وارتكاب النواهي والمحرمات .
ثالثها: ظلم العبد للعبد ،وحدث عن هذا النوع ولا حرج وهو صلب موضوعنا الذي سنتحدث عنه ولهذا النوع صور شتى فها هو ظلم الأزواج بعضهم لبعض فالزوج يرى نفسه بطلاً مغواراً ويفرد عضلاته على تلك الزوجة المسكينة والأبناء الضعفاء فيضرب ويكسر ويعنف ويشتم وربما قتل والعياذ بالله وكل ذلك بدافع من عدو البشرية إبليس وذريته نعوذ بالله من شره وكيده وهمزه ونفثه ونفخه ، ونسي الأب انه صاحب القلب الكبير والعائل الأول والمربي الفاضل وصاحب الرأي السديد وهو من يلجأ إليه الأبناء في الشدائد بعد الله لتشتيتها وتفريجها وتذليل الصعوبات وإزالة العقبات ثم تقع الكارثة ويصبح الجميع من زوجات وأبناء وبنات تحت وطأة جبار من الجبابرة إذا دخل المنزل لا تكاد تسمع صوتاً ولا نفساً خوفاً من ذلك المتسلط المتعنت وإذا خرج تنفس الجميع الصعداء بل قد تتجه الأيدي إلى الله الواحد القهار بأن يطلق أسرهم وينقذهم من عدوهم لأنه أصبح كالعدو بل أشد واعتي ، والأدهى من ذلك والأمر أن البعض قد ينتقم من والده إما بقتل أو بفعل دسيسة من أجل الخروج من حبائل الظلم والعدوان ثم إن من الأزواج من يعامل الزوجة معاملة سيئة دنيئة لا يرضاها دين ولا عقل ولا يقبل بها ذو همة ولا رأي فضرب وأوامر ونواهي وسهر خارج المنزل وإذا دخل منزله عبس وكشر وغضب وزمجر ، وأما مع الأصدقاء والأصحاب فضحك وسمر وبشاشة واتساع صدر، فسبحان الله ألم يأمر الله تعالى بالنساء خيراً فهن الزوجات والأمهات والبنات والخالات والعمات يقول تعالى (فلا تميلوا كل الميل فتذرها كالمعلقة) 26فحرم المولى جل وعلا متعددي الزوجات بعدم الميل إلى واحدة وترك الأخرى معلقة أو الضحك مع واحدة والعبوس في وجه الأخرى فلا بد من العدل وعدم الظلم وإلا جاء يوم القيامة وشقه مائلاً والعياذ بالله علامة يعرف بها أنه كان ممن لم يعدل بين زوجاته فيأتيه من ربه ما يستحق . وقال r ( استوصوا بالنساء خيراً )27 ولقد ضرب النبي r أروع الأمثلة في التعامل مع الزوجات من حسن خلق ولين جانب وحسن معاشرة فلنا من نبياً نحن معاشر الأزواج والأباء القدوة الحسنة والأسوة الطيبة فلقد حرم الإسلام الضرب على الوجه أو الحرق بالنار والضرب المبرح أياً كان، لأنه ( لا يعذب بالنار إلا رب النار)28 كما جاء ذلك صريحاً عن النبي r وقال r ( إن الله يعذب الذين يعذبون الناس )29 فاحذر من الظلم واعلم أن للمظلوم دعوة عند ربه لا ترد فإن أصابتك في الدنيا فهي الكارثة والخسارة ، وإن أجلت لك إلى يوم القيامة فالكارثة أعظم والخسارة أكبر لأن هناك سيكون التعامل بالحسنات والسيئات فهل تتوقع أن يترك لك غريمك ومظلومك حسنة واحدة فالأمر خطير جد خطير والخطب جسيم والله سميع بصير .
ومن صور الظلم ظلم العمال والخدم والأجراء وظلم المعلم لطلاب وظلم الرئيس لمرءوسيه والظلم لإحقاق باطل وإبطال حق وإليك تفصيل ذلك :
فمن ظلم العمال أن يؤتى به من بلده بعد تكبده المشاق والمتاعب وكثرة المصاريف ثم تباع له التأشيرة ويترك داخل البلد يجوب الشوارع والأرصفة لإيجاد عمل وقد يجد وقد لا يجد وكل ذلك بطريقة غير نظامية أو يوجد للعامل عملاً على أن يأخذ الكفيل من العامل مبلغاً شهرياً وهذا عين السحت والحرام والعياذ بالله ، وكل جسد نبت من السحت فالنار أولى به كما جاء ذلك عن النبي r ومن صور ظلم العمال المماطلة في إعطائهم مستحقاتهم من رواتب وحوافز وإجازات ولا يخفى على المسلم ما لذلك من ضرر على الكفيل ومكفوله من حيث العداء والتحدي مما قد ينتج عن ذلك الظلم عواقب لا تحمد عقباها .