تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حكم التشريع وعلله الدينية ، وما يرضي الله ويثيب عليه ، وما يُسْخِطه ويعاقب

عليه ، ويسمون هذه الأحكام شرعية فيفهم الناس أنها شرع الله الذي خاطبهم به

ويحاسبهم عليه ، فما صححوه منها فهو الحلال الذي يرضيه ، وما أبطلوه فمخالفته

حرام يسخطه ، وليس الأمر كذلك بإطلاقه ، بل الحق ما تقدم أنفًا بالإجمال مجملاً ،

وهنا تحقيق القول فيه مفصلاً مؤصلاً .

التحقيق الفلسفي في المسألة :

التحقيق في هذه المسألة : أن الأحكام الشرعية لها نصوص تبينها وتضبطها ،

وحِكَم هي المقصودة بالتشريع والمراد منه ، وعلماء الحقوق وفلسفة القوانين

يعبرون عن هذا الحكم بروح القانون ، وعن الأول بحرفية القانون أو بالمعنى

الحرفي له ، وهم متفقون على أن القاضي العادل هو من يجمع في أحكامه بين

موافقة نص القانون ومدلوله اللفظي الذي هو هيكله الظاهر ، وبين روحه والمقصود

منه في الباطن ، وهو الحق والعدل والإصلاح بين الناس في القضايا الشخصية ،

سواء كان الخصم الشخصي فيها فردًا ، أو جماعة كالشركات أو مصلحة عامة

كالحكومة ، فإذا تعارض نص القانون الحرفي هو وروحه الذي تتحقق به حكمة

الشارع وغرضه فإنهم يسمون من يرجح الأول قاضي القانون ، ويسمون من يرجح

الثاني قاضي العدل والإنصاف ، والفقهاء يفرقون أيضًا بين ما يثبت قضاء وما

يجب تدينًا .

فالمراتب ثلاثة : أعلاها الجمع بين مدلول اللفظ وحكمته المقصودة منه ،

وهما كالجسد والروح للشخص ، ودونها المحافظ على الحكمة وإرجاع اللفظ إليها

ولو بضرب المثل من التأويل ، ودونهما الجمود على الظواهر اللفظية .

وموضوع الحِيَل في الشرائع والقوانين والعقود والوعود والأيمان والنذور بيانًا

وإفتاءً وحكمًا وتنفيذًا دون هذه الثلاثة ، وهو التحول عن مدلول اللفظ الحرفي

بتأويل أو تحريف أو معارضة تقتضي ترجيح غيره عليه ، وإنما يفعله الإنسان هربًا

وتَفَصِّيًا مما يوجبه عليه النص ، والمؤاخذة في القضاء الدنيوي إنما تترتب على

مخالفة النص التي تسمى عصيانًا للشرع والقانون ، فإن كان النص قطعي الدلالة

فلا مفر من العقاب على مخالفته ، وإن كان غير قطعي بأن كان محتملاً لمعنيين أو

أكثر كان الترجيح لأحد معانيه بالاجتهاد ، وكان أقوى وجوه الترجيح مراعاة غرض

الشارع وحكمته من النص . وفقهاء الشرع والقانون متفقون على هذا الأصل ، ومن

كان يدين الله بعلمه وعمله فهو أولى بمراعاته عندما يؤلف أو يفتي أو يحكم .

فمن رجَّح معنى على معنى بالاحتمال اللفظي المخالف لروح التشريع وحكمة

الشارع منه كان متبعًا للهوى لا للحق ، والله تعالى يقول لنبيه داود عليه السلام :

{ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ

عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ } ( ص : 26 ) وهذا

الأمر والنهي من أصول الشرع الديني الإلهي الذي لا يُنْسَخ ولا يتغير بتغير

الشرائع ، فهو كالتوحيد في العقائد .

وقد بينا في التفسير وغيره أن نصوص الكتاب والسنة قسمان ( أحدهما ) ما

كان قطعي الدلالة كالرواية وهو الذي عليه مدار التشريع العام الذي عليه مدار

الاجتهاد ، والواجب أن يعذر المختلفون بعضهم بعضًا فلا يكون سبب للتفرق

والعداء بالاختلاف وقد سن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأصل لأمته ، وجرى

عليه خلفاؤه وعلماء صحابته ، وأئمة السلف الصالح من بعدهم قبل حدوث عصبيات المذاهب والشِّيع ، مثال ذلك أنه لما نزل قوله تعالى : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ

الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ } ( البقرة : 219 ) فهم منها بعض

الصحابة تحريم ما إثمه أرجح من نفعه فتركوا الخمر والميسر ، ولم يفهم هذا

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١١٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١١٨٠