تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

( واستدل به من قال بإبطال الحيل ، ومن قال بإعمالها ؛ لأن مرجع كل من

الفريقين إلى نية العامل . وسيأتي في أثناء الأبواب التي ذكرها المصنف إشارة إلى

بيان ذلك ، والضابط ما تقدمت الإشارة إليه : إن كان فيه خلاص مظلوم مثلا فهو

مطلوب ، وإن كان فيه فوات حق فهو مذموم ، ونص الشافعي على كراهة تعاطي

الحيل في تفويت الحقوق ، فقال بعض أصحابه : هي كراهة تنزيه ، وقال كثير من

محققيهم كالغزالي : هي كراهة تحريم ويأثم بقصده ، ويدل عليه قوله : ( وإنما لكل

امرئ ما نوى ) فمن نوى بعقد البيع الربا ، وقع في الربا ، ولا يخلصه من الإثم

صورة البيع ، ومن نوى بعقد النكاح التحليل كان محللاً ، ودخل في الوعيد على

ذلك باللعن ، ولا يخلصه من ذلك صورة النكاح ، وكل شيء قصد به تحريم ما أحل

الله أو تحليل ما حرم الله كان آثمًا ، ولا فرق في حصول الإثم في التحيل على

الفعل المحرم بين الفعل الموضوع له ، والفعل الموضوع لغيره إذا جعل ذريعة له .

( واستدل به على أنه لا تصح العبادة من الكافر ولا المجنون ؛ لأنهما ليسا

من أهل العبادة ، وعلى سقوط القود في شبه العمد ؛ لأنه لم يقصد القتل ، وعلى

عدم مؤاخذة المخطئ والنَّاسِي والمكره في الطلاق والعتاق ونحوهما ، وقد تقدم ذلك

في أبوابه ، واستدل به لمن قال كالمالكية : اليمين على نية المحلوف له ولا تنفعه

التورية ، وعكسه غيرهم ، وقد تقدم بيانه في الأيمان .

( واستدلوا بما أخرجه مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا ( اليمين على نية

المستحلف ) وفي لفظ له ( يمينك على ما يصدقك به صاحبك ) وحمله الشافعية على

ما إذا كان المستحلف الحاكم ، واستدل به لمالك على القول بسد الذرائع واعتبار

المقاصد بالقرائن كما تقدمت الإشارة إليه .

( وضبط بعضهم ذلك بأن الألفاظ بالنسبة إلى مقاصد المتكلم ثلاثة أقسام :

( أحدها ) أن تظهر المطابقة إما يقينًا وإما ظنًّا غالبًا . ( والثاني ) أن يظهر

أن المتكلم لم يرد معناه إما يقينًا وإما ظنًّا ( والثالث ) أن يظهر في معناه ويقع التردد

في إرادة غيره وعدمها على حد سواء ، فإذا ظهر قصد المتكلم لمعنى ما تكلم به أو

لم يظهر قصد يخالف كلامه وجب حمل كلامه على ظاهره ، وإذا ظهرت إرادته

بخلاف ذلك ، فهل يستمر الحكم على الظاهر ، ولا عبرة بخلاف ذلك أو يعمل بما

ظهر من إرادته ؟

( فاستدل للأول بأن البيع لو كان يفسد بأن يقال هذه الصيغة فيها ذريعة إلى

الربا ، ونية المتعاقدين فيها فاسدة لكان فساد البيع بما يتحقق تحريمه أولى أن يفسد

به البيع من هذا الظن ، كما لو نوى رجل بشراء سيف أن يقتل به رجلاً مسلمًا

بغير حق ، فإن العقد صحيح ، وإن كانت نيته فاسدة جزمًا ، فلم يستلزم تحريم القتل

بطلان البيع ، وإن كان العقد لا يفسد بمثل هذا فلا يفسد بالظن والتوهم بطريق

الأولى ) .

( واستدل للثاني بأن النية تؤثر في الفعل ، فيصير بها تارة حرامًا وتارة

حلالاً كما يصير العقد بها تارة صحيحًا وتارة فاسدًا كالذبح مثلاً ، فإن الحيوان يحل

إذا ذبح لأجل الأكل ، ويحرم إذا ذبح لغير الله والصورة واحدة ، والرجل يشتري

الجارية لوكيله فتحرم عليه ، ولنفسه فتحل له ، وصورة العقد واحد ، والأول قربة

صحيحة ، والثاني معصية باطلة ، وفي الجملة فلا يلزم من صحة العقد في الظاهر

رفع الحرج عمن يتعاطى الحيلة الباطلة في الباطن والله أعلم . وقد نقل النسفي

الحنفي في الكافي عن محمد بن الحسن قال : ليس من أخلاق المؤمنين الفرار من

أحكام الله بالحيل الموصلة إلى إبطال الحق . ا هـ .

هذا ما كتبه الحافظ في الفتح في حديث النية ، ونقلناه كله ؛ لما فيه من الفوائد

ويقول : إن فقهاء المذاهب كعلماء القوانين الوضعية يستنبطون الأحكام من عبارات

نصوص المذهب من غير نظر في النيات الباعثة على الأعمال ، ولا في موافقة

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١١٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١١٧٩