وفي الجامع الصحيح للبخاري كتاب خاص سماه ( كتاب الحيل ) فتح فيه
أبوابًا أورد فيها ما صح على شرطه متعلقًا بالحيل والدلالة على كراهة الشرع لها .
أولها ( باب في ترك الحيل ، وأن لكل امرئ ما نوى في الأيمان وغيرها ) وأورد
فيه حديث ( إنما الأعمال بالنية ) الذي افتتح به صحيحه برواية ( بالنيات ) أشار
بهذه الترجمة إلى أن جميع الأحكام الشرعية من فعل وترك تدخل في عموم هذا
الحديث خلافًا لمن خصَّه بالعبادات وما في معناها كالأيمان . وسائر أبوابه في
الصلاة والزكاة والنكاح والبيوع والغصب والهبة والشفعة والاحتيال للفرار من
الطاعون واحتيال العامل ( أي عامل السلطان ) ليهدى له . وقد كتب الحافظ ابن
حجر على عنوان ( كتاب الحيل ) في شرحه له ( فتح الباري ) ما نصه :
الحيل : جمع حيلة وهي ما يُتَوَصَّل به إلى مقصود بطريق خفي ، وهو عند
العلماء على أقسام بحسب الحامل عليها ، فإن توصل بها بطريق مباح إلى إبطال
حق أو إثبات باطل فهي حرام ، أو إلى إثبات حق أو دفع باطل فهي واجبة أو
مستحبة ، وإن توصل بها بطريق مباح إلى سلامة من وقوع في مكروه فهي
مستحبة أو مباحة ، أو إلى ترك مندوب فهي مكروهة .
ووقع الخلاف بين الأئمة في القسم الأول ، هل يصح مطلقًا ، وينفذ ظاهرًا
وباطنًا أو يبطل مطلقًا أو يصح مع الإثم ؟ ولمن أجازها مطلقًا أو أبطلها مطلقًا أدلة
كثيرة فمن الأول قوله تعالى : ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ ﴾ ( ص :
44 ) وقد عمل به صلى الله عليه وسلم في حق الضعيف الذي زنى وهو من حديث
أبي أمامة بن سهل في السنن ومنه قوله تعالى : ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴾
( الطلاق : 2 ) وفي الحيل مخارج من المضايق ، ومنه مشروعية الاستثناء ، فإن
فيه تخليصًا من الحنث ، وكذلك الشروط كلها ، فإن فيها سلامة من الوقوع في
الحرج ، ومنه حديث أبي هريرة و أبي سعيد في قصة بلال : ( بع الجمع بالدراهم
ثم ابتع بالدراهم جنيبًا ) .
( ومن الثاني قصة أصحاب السبت وحديث : ( حرمت عليهم الشحوم
فجملوها فباعوها وأكلوا ثمنها ) وحديث النهي عن النجش ، وحديث : ( لعن المحلل
والمحلل له ) .
والأصل في اختلاف العلماء في ذلك اختلافهم هل المعتبر في صيغ العقود
ألفاظها أو معانيها ؟ فمن قال بالأول أجاز الحِيَل ، ثم اختلفوا فمنهم من جعلها تنفذ
ظاهرًا وباطنًا في جميع الصور أو في بعضها ، ومنهم من قال تنفذ ظاهرًا لا باطنًا ،
ومن قال بالثاني أبطلها ولم يجز منها إلا ما وافق فيه اللفظ المعنى الذي تدل عليه
القرائن الحالية . وقد اشتهر القول بالحيل عن الحنفية ؛ لكون أبي يوسف صنَّف
فيها كتابًا لكن المعروف عنه ، وعن كثير من أئمتهم تقييد أعمالها بقصد الحق قال
صاحب المحيط : ( أصل الحيل قوله تعالى : ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً ﴾ ( ص : 44 )
الآية وضابطها إن كانت للفرار من الحرام والتباعد من الإثم فحسن ، وإن كانت
لإبطال حق مسلم فلا ، بل هي إثم وعدوان ) ا هـ .
أقول : إن هذا الأصل لا ينفعهم ، فإنه تخفيف من الله على نبيه أيوب عليه
السلام فهو نص إلهي استثنائي لا يصح أن يقيس عليه من قال : إن شرع من قبلنا
شرع لنا ، فضلا عمن يقول : ليس شرعًا لنا ، وهو الحق بنص القرآن أو هو من
قبيل خصائص نبينا صلى الله عليه وسلم في شرعنا . ومثله احتيال يوسف عليه
السلام لأخذ أخيه مع عدم المخالفة لشرع ملك مصر ، وهو مما يستدلون به على
شرعية الحيل ، فإن الله تعالى قال : ﴿ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ﴾ ( يوسف : 76 ) فهو
إذًا إذن منه تعالى ، فلا يقاس عليه ما يفعل مخالفة شرعه ، وسيأتي الكلام على ما
أشار الحافظ من الأحاديث في أدلة الفريقين .
ثم كتب الحافظ في الكلام على حديث النية منه ما نصه متعلقًا بالموضوع :