تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أنها لا تكون ربًا إلا أن تكون مشروطة في العقد ، وهذا خلاف ما دلت عليه هذه الآثار

والأحاديث الواردة في هذا الباب لأنها تدل على حرمة كل منفعة سواء شرطت أو لم

تشترط مع أنها بدون الشرط جائزة بالاتفاق ، قال العيني : وفيه ما يدل أن المقرض

إذا أعطاه المستقرض أفضل مما اقترض جنسًا أو كيلاً أو وزنًا أن ذلك [28] معروف

وأنه يطيب له أخذه منه ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أثنى فيه على من أحسن القضاء ،

وأطلق ذلك ولم يقيِّده ( قلت ) هذا عند جماعة العلماء إذا لم يكن عن شرط منهما حين

السلف ، وقد أجمع المسلمون نقلاً [29] عن النبي صلى الله عليه وسلم أن اشتراط

الزيادة في السلف ربا . اهـ [30] .

قال ابن حجر في باب استقراض الإبل تحت حديث أبي هريرة : وفيه جواز

وفاء ما هو أفضل من المثل المقترض إذا لم تقع شرطية ذلك في العقد ، فيحرم حينئذ

اتفاقًا ، وبه قال الجمهور . اهـ . ولما كان هذا الأثر عن عبد الله بن سلام مخالفًا لما

عليه الجمهور تأول ابن حجر قوله رضي الله عنه : ( فإنه ربا ) وقال : يحتمل

أن يكون ذلك رأي عبد الله بن سلام ، وإلا فالفقهاء على أنه يكون ربًا إذا شرط ، نعم

الورع تركه . ا هـ . وأيضًا لما أخرج البخاري هذا الحديث بطريق آخر وليس فيه

ذكر الربا ، فهناك قال ابن حجر : زاد البخاري في مناقب عبد الله بن سلام ذكر

الربا ، وههنا فسر الربا المراد في قوله رضي الله عنه بقوله : وإن من اقترض قرضًا

فتقاضاه إذا حل فأهدى إليه المديون هدية كانت من جملة الربا [31] فثبت من هذه

الأقوال أنه لم يقل أحد من العلماء : إن الفضل والزيادة إذا كانت غير مشروطة في

القرض عند العقد أنه ربا سواء كان في صورة الهدية أم في صورة العارية أم في

غيرهما ، فهذا الأثر وما ورد نحوه غير معمول به عند الأمة .

وقد ذهب الجمهور إلى جواز ما كان بدون شرط في العقد لما دلت عليه

الأحاديث الصحيحة والحسان المحتج بها بإعطاء الزيادة في ديون البيع والقرض

أخرج الشيخان عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

لبلال ( أعطه أوقية من ذهب وزده ) فأعطاني أوقية من ذهب وزادني قيراطًا [32] .

ولفظ البخاري : ( فوزن لي بلال فأرجح في الميزان ) قال النووي في شرحه :

فيه استحباب الزيادة في أداء الدَّين وإرجاح الوزن ، وقد روى هذا الحديث فوق

عشرة عن جابر ، وأيضًا قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم إعطاء الزيادة في

قرض الحيوان كما في حديث أبي رافع ، قال : استسلف رسول الله صلى الله عليه

وسلم بكرًا فجاءته إبل من الصدقة . قال أبو رافع : فأمر لي أن أقضي الرجل بكره ،

فقلت : لا أجد إلا جملاً خياريًّا رباعيًّا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أعطه إياه فإن خير الناس أحسنهم قضاء ) أخرجه مالك ومسلم والأربعة ، وكما في حديث

أبي هريرة أخرجه الشيخان و الترمذي مختصرًا ومطولاً : أن رجلاً تقاضى رسول

الله صلى الله عليه وسلم فأغلظ له فَهَمّ به أصحابه فقال : ( دعوه فإن لصاحب الحق

مقالاً ، واشتروا له بعيرًا فأعطوه إياه ، قالوا : لا نجد إلا أفضل من سنه ، قال :

اشتروه فأعطوه إياه ، فإن خيركم أحسنكم قضاء ) .

وأيضًا قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أعطى الزائد في قرض

الأموال الربوية - أعني المكيل والموزون - كما روى أبو هريرة قال : أتى النبي

صلى الله عليه وسلم رجل يتقاضاه قد استسلف منه شطر وسق فأعطاه وسقًا فقال

( نصف وسق لك ونصف وسق من عندي ) ثم جاء صاحب الوسق يتقاضاه فأعطاه

وسقين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وسق لك ووسق من عندي ) أخرجه

المنذري في الترغيب وقال : رواه البزار وإسناده حسن .

ومن حديث ابن عباس قال : استسلف النبي صلى الله عليه وسلم من رجل

من الأنصار أربعين صاعًا فاحتاج الأنصاري فأتاه فقال رسول الله صلى الله عليه

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١١٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١١٧١