التفسير الذي ورد عنه عليه السلام ، وهو ما روى عبادة وأبو سعيد وأبو هريرة
وعمر وغيرهم في بيع الأشياء الستة بصورة مخصوصة ، وقد جعله الفقهاء أيضًا
بيانًا للربا كما قال ابن عابدين في نسمات الأسحار : كبيان الربا بالحديث الوارد في
الأشياء الستة وفي نور الأنوار : كالربا في قوله تعالى : ﴿ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ ( البقرة :
275 ) فإنه مجمل بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( الحنطة بالحنطة )
الحديث ، قال ابن أمير الحاج في شرح التحرير لابن الهمام : كبيان الربا بالحديث
الوارد في الأشياء الستة في الصحيحين عن عبادة بن الصامت قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم ( الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير ،
والتمر بالتمر ، والملح بالملح مثلاً بمثل ، سواء بسواء ، يدًا بيد ، فمن زاد [8] أو
استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء ) وكذلك يلحق في تفسير إجمال الآية
حديث أسامة بن زيد ( الربا في النسيئة ) أخرجه مسلم .
ولا يصح تفسيره بالحديث الذي روي عن جابر وعمرو بن الأحوص بلفظ
( إن ربا الجاهلية موضوع ، وأول ربا أضعه رِبانا ربا عباس بن عبد المطلب ) لأنه
لم يظهر تفسير ربا الجاهلية من حديث مرفوع متصل إلى الآن حتى يكون بيانًا له ،
وكيف وهو مجمل كربا القرآن ؟
فعلى هذا حقيقة الربا : الفضل الذي يكون في البيع ، سواء كان فضل عين أو
أجل ، وإذا بيع شيء من هذه الستة وما في حكمها من جنسه فالفضل والأجل
كلاهما ربا ، وإذا بيع منها شيء بغير جنسه فالأجل فقط ربا وهو ربا النساء ، وكذلك
الزيادة على الثمن المؤجل إذا لم يقض الثمن عند حلول الأجل ، ربا ، وهو ربا
النسيئة .
ففي الأولى أي إذا وقع بيع جنس بجنس ، فلابد لجواز البيع من أمرين :
الأول المساواة في الكيل أو الوزن ، والثاني قبض البدلين في المجلس .
وفي الثانية إذا كان الجنسان من هذه الأشياء الستة وما في حكمها مختلفين ،
فلا يشترط ههنا إلا القبض في المجلس ، ولا يشترط المساواة كيلاً أو وزنًا .
( وفي الثالثة ) أي إذا كانت الأشياء من غير هذه الستة وما في حكمها لا
يجوز الفضل على الثمن المؤجل بعد حلول الأجل إن لم يقض هذا الثمن بمقابلة
الأجل .
والأصل فيه أن المتبايعين يريدان المساواة في البدلين وعليه مدار عقد البيع ،
فلهذا وضع لها الشارع عليه السلام أصول وقوانين يُعرف بها المساواة والفضل
الذي يحكم عليه الشرع بأنه ربا ( الأول ) أن للنقد مزية على النسيئة ( والثاني )
إذا كان البدلان - كيليًّا أو وزنيًّا - فلا بد أن يكونا متساويين في الكيل أو الوزن
( والثالث ) إذا كان أحد البدلين غير المكيل والموزون فما تراضى عليه العاقدان فهو
بدل الآخر ومساوٍ له ، ومن هذه الأصول يعلم ما جعل الشارع عليه السلام من
الفضل ربا في البيع والشراء .
فالفضل والأجل كلاهما ربا في بيع المكيل بالمكيل والموزون بالموزون من
جنسه ؛ لأنه فضل حقيقة أو حكمًا ولا دخل فيه لتراضي العاقدين والبيعين ؛ فإن
تراضي البيعين في أمثال هذا البيع بالفضل أو الأجل أو بكليهما لا يصحح هذا البيع ،
ويكون الفضل والأجل كلاهما ربا لقول النبي صلى الله عليه وسلم ( من زاد ) أي
أعطى الزيادة ( أو استزاد ) أي طلب الزيادة ( فقد أربى ) وفي المدونة أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه راطل أبا رافع فوضع الخلخالين في كفة فرجحت الدراهم ،
فقال أبو رافع : هو لك أنا أحله لك ، فقال أبو بكر : إن أحللته لي فإن الله لم يحله
لي ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( الذهب بالذهب وزنًا بوزن ،
والورق بالورق وزنًا بوزن ، الزائد [9] والمزاد في النار ) [10] وعند اختلاف الجنس
من هذه الأشياء لم يجعل الشارع المساواة باعتبار التساوي كيلاً ووزنًا حتى لم يحرم
في هذه الصورة الفضل كيلاً أو وزنًا ؛ لأنه أمر غير معقول ، بل جعل المساواة