تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجمهور العلماء عيَّنوا هذه الأفراد بالسنة ، وهو الفضل الذي وردت السنة بكونه

ربا فهو حرام عندهم ، أعني الفضل في البيع ، فالربا عندهم منحصر في البيع لا

غير ، وذهب البعض إلى أن اللام في ( الربا ) للعهد ، والمراد به ربا الجاهلية ،

فالمآل على هذا التفسير أن القرآن حرَّم ربا الجاهلية ، ولما لم يثبت صورة ربا

الجاهلية من حديث مرفوع متصل إلى الآن لم يلتفت الأئمة والجمهور إليه ، وقالوا :

إن ربا القرآن مجمل والحديث مفسر له ، قال القاضي سناء الله في تفسيره المظهري :

قال جمهور [2] العلماء : هذا مجمل ؛ لأن طلب الزيادة بطريق التجارة غير محرم في

الجملة ، فالمحرم إنما هو زيادة على صفة مخصوصة لا تدرك إلا من قبل الشارع فهو

مجمل ، وما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم التحقه بيانًا . قال الجصاص الرازي

الحنفي : وهو ( أي الربا ) يقع على معانٍ لم يكن الاسم موضوعًا لها في اللغة . وبعد

سرد الأدلة على إجمال الربا قال : فثبت بذلك أن الربا قد صار اسمًا شرعيًّا ؛ لأنه لو

كان باقيًا على حكمه في أصل اللغة لما خفي على عمر لأنه كان عالمًا بأسماء اللغة ؛

لأنه من أهلها اهـ . ثم قال : وإذا كان ذلك على ما وصفنا صار بمنزلة سائر الأسماء

المجملة المفتقرة إلى البيان ، وهي الأسماء المنقولة من اللغة إلى الشرع لمعانٍ لم يكن

الاسم موضوعًا لها في اللغة نحو الصلاة والصوم والزكاة اهـ [3] . وفي جواب

استدلال الشافعية عن كون علة الربا مأكولاً قال الجصاص الرازي : فهذا عندنا لا يدل

على ما قالوا من وجوه ( أحدها ) ما قدَّمنا من إجمال لفظ الربا في الشرع وافتقاره إلى

البيان ، فلا يصح الاحتجاج بعمومه وإنما يحتاج إلى أن يثبت بدلالة أخرى أنه ربا

حتى يحرِّمه بالآية . انتهى . وقال صدر الشريعة الحنفي : والمجمل كآية الربا ؛ فإن

قوله تعالى : ﴿ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ ( البقرة : 275 ) مجمل لأن الربا في اللغة هو

الفضل ، وليس كل فضل حرامًا بالإجماع ، ولم يعلم أن المراد أي فضل ، فيكون

مجملاً ، ثم لمَّا بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم الربا في الأشياء الستة احتيج بعد ذلك إلى الطلب والتأمل ليعرف علة الربا في غير الأشياء الستة [4] ، وكذا في شرح

التحرير لابن الهمام وفي المسلم وفواتح الرحموت ومرقاة الوصول وشرحه مرآة

الأصول وغيرها من كتب الأصول .

قال العلامة النسفي في كشف الأسرار : وكذلك آية الربا مجملة لاشتباه المراد ،

وهذا لا يُدرك بمعاني اللغة بحال فهو في اللغة الفضل ؛ ولكن الله تعالى ما أراده .

وقال العلامة نظام الدين الشاشي : المجمل هو ما احتمل وجوهًا فصار بحال لا

يوقف على المراد إلا ببيان من قِبَل المتكلم ، ونظيره في الشرعيات قوله تعالى :

﴿ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ ( البقرة : 275 ) قال ابن نجيم في فتح الغفار : وليس المراد أن كل

مجمل بعد بيان المجمل يحتاج إلى الطلب والتأمل ، فالصلاة بيانها شافٍ فلم تحتج

إلى تأمل بعده ، وبيان الربا غير شافٍ - صار به المجمل مؤولاً وهو يحتاج إلى

الطلب والتأمل كما في الكشف ، فالرجوع إلى الاستفسار في كل مجمل ، والطلب

والتأمل إنما هو في البعض [5] .

قال صاحب فصول البدائع في حكم المجمل : هو التوقف إلى الاستفسار مع

اعتقاد حقيقة ما هو المراد حالاً ثم الطلب والتأمل إن احتيج إليهما كما في الربا ؛ فإن

حديث الأشياء الستة الحاصل من الاستفسار معلل بالإجماع [6] . قال عبد العزيز

البخاري في شرح الأصول للبزدوي : والحاصل أن المجمل قسمان : ما ليس له ظهور

أصلاً كالصلاة والزكاة والربا أو ما له ظهور من وجه كالمشترك [7] .

وإذا ثبت من هذه النقول أن الربا الذي وقع في القرآن مجمل ، وثبت أيضًا

أنه لا يثبت منه حكم بدون تفسير الشارع عليه السلام ، فحينئذ علينا أن نحرر

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١١٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١١٦٦