التداول إنما يتم على أوراق ، وليس حيازة وتملكاً للسلع ، فإن بعض تلك البنوك
أشارت في عقودها إلى أن ما يتم يكون على أوراق وليس حيازة وتملكاً للسلع .
أما بعض البنوك فقد أشارت إلى أن حيازتها وتملكها للسلع إنما هو بموجب
« شهادة التخزين » ، حيث يشار في العقد إلى أن السلعة توجد في بلاد أخرى
غير البلد الذي يتم فيه تحرير العقد ، ولتجنب الإلزام ومن أجل ترسيخ التحايل ؛ لم
يشر إلى الوكالة وضرورة تفويض البنك بالبيع نيابة عنه ، وإنما أشير إلى ذلك في
نص الوكالة ، حيث أوضحت الوكالة أن السلع المشتراة من البنك هي سلع يتم تداولها
في سوق السلع ( البورصة ) ، بخلاف بنوك أخرى جعلت نماذج التفويض والوكالة
جزءاً من العقد ، وهذا الأسلوب هو نوع من التهرب والتضليل ومحاولة إضفاء نوع
من صحة البيع ، وأنه لا يوجد فيه شروط فاسده تفسد البيع . ولكن هذا الأسلوب من
التحايل لا يغير من حقيقة الأمر .
ثانياً : إن من أجاز بيع التورق من العلماء السابقين ، ومنهم الإمام أحمد
- رحمه الله - ، فقد أجازه مع الكراهة ، وأشير في رواية الكراهة إلى إنه
مضطر [16] ( أي المتعامل بالتورق ) . أما الإمام ابن تيمية - رحمه الله - فقد وافق
الإمام أحمد في الرواية الثانية بالحرمة ، يقول ابن القيم : ( وكان شيخنا - رحمه
الله - يمنع من مسألة التورق ، وروجع فيها مراراً وأنا حاضر فلم يرخّص فيها ،
وقال : المعنى الذي لأجله حرم الربا موجود فيها بعينه ، مع زيادة الكلفة بشراء
سلعة وبيعها والخسارة منها ، فالشريعة لا تحرم الضرر الأول وتبيح ما هو أعلى
منه .... ودليل المنع قوله صلى الله عليه وسلم : « لا يحل سلف وبيع ، ولا
شرطان في بيع » ، وقوله : « من باع بيعتين فله أوكسهما أو الربا » رواه أبو
داود ، وذلك لا يمكن وقوعه إلا على العينة ) [17] .
ولا شك أن أسلوب التورق المتبع من قِبَل هذه البنوك هو بيع العينة بعيَنْه ،
حيث يتولى البائع ( البنك ) شراء السلعة من السوق ( البورصة ) ، ثم بيعها على
المشتري ، ثم بيعها مرة ثانية في سوق البورصة بقصد توفير المال الذي من أجله
تمت صياغة هذا العقد ، وهذا ما حرّمه ابن عباس ، فقد نقل ابن القيم عن محمد بن
عبد الله الحافظ المعروف بحطين في كتابه ( البيوع ) عن ابن عباس - رضي الله
عنه - قال : « اتقوا هذه العينة ؛ لا تبع دراهم بدراهم وبينهما حريرة » ، وفي
رواية « أن رجلاً باع من رجل حريرة بمائة ثم اشترها بخمسين » . قال ابن
عباس عن ذلك : « دراهم بدراهم متفاضلة دخلت بينهما حريرة » ، وسئل ابن
عباس عن العينة يعني بيع الحريرة فقال : « إن الله لا يُخدع ، هذا مما حرم الله
ورسوله » . وقد روى ابن بطة باسناده إلى الأوزاعي قال قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : « يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع » [18] .
فواقع عقود التورق ينطبق على ما أشار إليه ابن عباس - رضي الله عنه - ،
حيث إن بيع المرابحة تحت مسمى التورق إنما هو بيع ريالات بريالات بينهما
بيع مستندي لسلع لم يتم استلامها ولا تملُّكها ، وإنما هي بيوعات مستقبلية في سوق
بورصة البضائع ، لا يتم فيها قبض للسلع ولا تسليم ، وإنما هي بيوع آجلة يتم
المضاربة فيها ، فهي أشبه بالحريرة كما قال ابن عباس - رضي الله عنه - .
ثالثاً : بجانب ما روي عن الإمام أحمد في إحدى روايتيه بتحريم مسألة
التورق باعتبارها صورة من صور بيع العينة ، فقد روي عن الإمام مالك - رحمه
الله - منع العينة بناء على عدم القبض من البيعة الأولى أو القبض الصوري الذي
يُتخذ وسيلة وذريعة إلى الربا [19] . وتحريم الوسائل من الأمور التي جاء الشرع
بها وقال بها الأئمة ، فمن ذلك أن الشافعي - رحمه الله - يحرم مسألة « مد عجوة
( نوع من التمر ) » ، و « درهم بمد ودرهم » ، وبالغ في التحريم خوفاً من أن