يتخذ حيلة على نوع من ربا الفضل ، فالتحريم للحيل الصريحة التي يتوصل بها
إلى ربا النسيئة أولى من تحريم « مد عجوة » بكثير ، فإن التحيل بمد ودرهم من
الطرفين على ربا الفضل ؛ أخف من التحيل بالعينة على ربا النساء [20] الذي هو
الغاية التي تسعى إليها البنوك في تعاملها من خلال التعامل في شراء وبيع السلع في
سوق السلع العالمي ( البورصة ) المستقبلية ، فإن مفسدة ربا الفضل في مسألة « مد
عجوة » أقل من مفسدة استخدام التورق لاستحلال ربا النسيئة . فلا يتعامل بالتورق
إلا مضطر إلى الاقتراض ، فالمستغني عنه لا يثقل ذمته بزيادة في شراء السلع
مؤجلاً ثم بيعها بخسارة بدون ضرورة وحاجة ، وقد روى أبو داود من حديث علي
بن أبي طالب - رضي الله عنه - : « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن
بيع المضطر ، وبيع الغرر ، وبيع الثمر قبل أن تدرك » . وقد أوضح ابن القيم أن
شراء المضطر للسلعة ثم بيعها لبائعها بأنها العينة ، وإن باعها لغيره فهو التورق ،
وإن رجعت إلى ثالث يدخل بين البائع والمشتري ، فهو محلل الربا . والأقسام
الثلاثة يعتمدها المرابون وأخفها التورق ، وقد كرهه عمر بن عبد العزيز وقال هو
آخية الربا [21] ، وتشبيه عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - بأن التورق هو للربا
بمثابة الحبل الموثق إلى وتد تُربط به الدابة ، فالدابة لا يمكن لها الفكاك من هذا
الرباط ، وكذلك التورق هو مربوط بالربا .
رابعاً : إن استخدام صيغة التورق بالشراء والبيع في سوق البورصة ، مع
استخدام أسلوب المرابحة في تحديد مقدار الربا الذي سوف يؤخذ على المال الذي
سوف يتم إقراضه للأفراد والمؤسسات والشركات ، أو اقتراضه من المودعين ؛ إنما
هو حيلة لأخذ الربا وإعطائه ، وتجويز ذلك يتناقض مع ما ورد من النهي عن
الحيل لاستحلال الحرام ، وهذا التحايل الذي تمارسه البنوك فتح الطريق لأكل الربا
وتوسيع نطاقه بين المسلمين ، ومعلوم أن الحيل تتناقض مع القاعدة الشرعية ، وهو
ما يعرف بـ « سد الذرائع » ، فالشارع يسد الطريق إلى المفاسد بكل وسيلة ممكنة ،
والمحتال يفتح الطريق بالحيل ، واستخدام صيغة التورق في التعامل مع البنوك
من خلال البيع والشراء للسلع في سوق البورصة قد أدى إلى الوقوع في الحرام ،
يقول ابن القيم : ( ومن تأمل أحاديث اللعن وجد عامتها لمن استحل محارم الله
وأسقط فرائضه بالحيل كقوله : « لعن الله المحلل والمحلل له » ، و « لعن الله
اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا ثمنها » ، « لعن الله الراشي
والمرتشي » ، « لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده ) ، ومعلوم أن الكاتب
والشاهد إنما يكتب ويشهد على الربا المحتال عليه ليتمكن من الكتابة والشهادة
بخلاف ربا المجاهرة الظاهرة .... وآكل الربا مستحله بالتدليس والمخادعة ، فيظهر
من عقد التبايع ما ليس له حقيقة ، فهذا يشمل الربا بالبيع ، وذلك يستحل الزنا باسم
النكاح ، فهذا يفسد الأموال وذاك يفسد الأنساب ) [22] ، وهذه العقود التي تمارسها
البنوك لا تعدو في واقع الأمر بأنها حيلة لاستحلال الاقتراض والإقراض بالربا باسم
البيع والشراء .
خامساً : من القواعد التي يقوم عليها التشريع الإسلامي : أن العبر بالمقاصد
والنيات ، بدليل حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - المشهور : » إنما
الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى « الحديث ، ولهذا لا بد من النظر إلى
المقصد والغاية من صيغة التورق في تعامل هذه البنوك في حقيقة أمرها ، وبموجب
التنظيمات التي تحكمها ، وبموجب عقود تأسيسها ، فإنها مبنية على أساس أن النقود
هي مجال عملها ، فهي تتاجر في النقود وليست تتاجر بالنقود ، كما يمارس من قِبَل
الأنشطة الاقتصادية الأخرى ، فهذه البنوك تخضع في أعمالها لأنظمة ومعايير