فيه هو الزيادة من ربا المال إذا زاد ، فالمعنى اللغوي المجرد يعتبر زيادة في ذات
الشيء ، وهذا المعنى قد ورد في القرآن الكريم عند الحديث عن الربا في قوله
تعالى : [ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ
اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ] ( البقرة :
278-279 ) ، وقوله تعالى : [ وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو
عِندَ اللَّهِ ] ( الروم : 39 ) . والزيادة على المال المقرض إنما هو من أجل التأجيل
كما أشار إليه أبو بكر الجصّاص في كتابه ( أحكام القرآن ) ، يقول : ( معلوم أن
ربا الجاهلية إنما هو قرض مؤجل بزيادة مشروطة ، وكانت الزيادة بدلاً من الأجل ،
فأبطله الله تعالى ) [13] .
وهذا المفهوم يؤكده الإمام الرازي في تفسيره بقوله : ( إن ربا النسيئة التأجيل
هو الذي كان مشهوراً في الجاهلية ؛ لأن الواحد منهم كان يدفع ماله لغيره إلى أجل
على أن يأخذ منه كل شهر قدراً معيناً ورأس المال باق بحاله ، فإذا حلَّ طالبه برأس
ماله ، فإن تعذر عليه الأداء زاده في الحق والأجل ) [14] . وهذا المفهوم هو
المتعارف عليه في العمل المصرفي ، فالسلعة التي يتعامل بها البنك هي النقد ، فهو
يتجر في النقد ، وبالتالي فإن النقد هو السلعة بدلاً من أن تكون مقياساً لأقيام السلع
فيما بينها ، فأصبح سلعة بذاته ، فخرج النقد عن الوظيفة التي من أجلها تم قبوله
بين الناس ، ولهذا فإن وحدات النقد التي تضاف إلى نفس النقد إنما تتحدد بنسبة من
هذه الوحدات مربوطة بالزمن الذي يبقى في ذمة المقترض ، وبالتالي فإن مكونات
الربا تتمثل في ثلاثة عناصر ، هي زيادة على كمية النقد المقدم ، وهذه الزيادة تحدد
بالمدة ، وهذه النسبة من الزيادة شرط في المعاملة ، وبالتالي فأي تعامل تتوافر فيه
هذه الصفات ؛ فهو في حقيقته تعامل ربوي حتى لو سمّي بغير ذلك .
وقد أشار الإمام محمد بن رشد القرطبي في كتابه ( بداية المجتهد ) إلى أن
أصول الربا خمسة ، هي :
أنظرني أزدك ، والتفاضل ، والنسأ ، وضع وتعجل ، وبيع الطعام قبل قبضه .
وعندما ناقش موضوع ضع وتعجل ، أشار إلى حجة من لم يجز ضع وتعجل ،
والتي تؤكد حقيقة الربا ، بقوله : ( وعمدة من لم يجز « ضع وتعجل » أنه نسيئة
بالزيادة مع النظرة المجتمع على تحريمها ، ووجه شبهه أنه هل للزمان مقدار من
الثمن بدلاً منه في الموضعين جميعاً ، وذلك أنه هنالك لما زاد له في الزمان زاد له
عرضه ثمناً ، وهنا لما حط عنه الزمان حط عنه في مقابلته ثمناً ) [15] .
والشاهد من هذا أن الربا يرتبط بالزمن ، فالقيمة المضافة على رأس المال
ابتداء أو بعد انتهاء مدة القرض مربوطة بالزمن ، فالزمن هو مقياس تحديد قيمة
النقد باعتباره سلعة يتم بيعها وشراؤها ، وهذا هو حقيقة الربا ، وسوف نلاحظ عند
مناقشة صيغ عقود التورق التي تجريها البنوك لاستحلال أخذ الربا ومنحه ؛ أن تلك
العقود ما هي إلا وسيلة لأخذ الربا وأكله .
* رابعاً : عقود التورق كما تُمارس من قِبَل البنوك :
الصيغ التي تتبعها البنوك لتوفير المال للمحتاجين إليه من الأفراد والشركات
والمؤسسات ، أو لجذب المال لها كبديل للودائع الآجلة التي تمنح عليها فوائد وفق
ما يطلق عليه الصيغة الإسلامية للتعامل ؛ تفاوتت فيها المسميات التي أطلقتها تلك
البنوك مثل « تيسير الأهلي » ، و « تورق الخير » ، و « برنامج نقاء » ،
و « التورق المبارك » .. وغير ذلك من أساليب الدعاية التي تضلل المتلقي
لهذه الإعلانات بما توجهه له من أن ما يتم ممارسته لا يتعارض مع أحكام
الشريعة الإسلامية . وأن صيغة العمل والمرتكز الذي تدور عليه عملية التمويل