تعالى : [ وَلاَ تَنسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُم ] ( البقرة : 237 ) ، ... ويبايع المضطرون ،
وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر ، وعن بيع الغرر ،
وبيع الثمر قبل أن يطعم ) . وقد علق ابن القيم على هذا الحديث بقوله : ( فإن
عامة العينة إنما تقع من رجل مضطر إلى نفقة ؛ يضن بها عليه الموسر بالقرض
حتى يربح عليه في المائة ما حب ، وهذا المضطر إن أعاد السلعة إلى بائعها فهي
العينة ، وإن باعها لغيره فهو التورق ، وإن رجعت إلى ثالث يدخل بينهما فهو محلل
الربا . والأقسام الثلاثة يعتمدها المرابون وأخفها التورق ، وقد كرهه عمر بن عبد
العزيز وقال هو آخية الربا بوزن قضية ، تربط إلى وتد مدقوق تشد بها الدابة ،
وعن أحمد فيه روايتان ، وأشار في رواية الكراهة إلى أنه مضطر ، وهذا من فقهه
- رضي الله عنه - ، قال : فإن هذا لا يدخل فيه إلا مضطر . وكان شيخنا
- رحمه الله - يمنع من مسألة التورق وروجع فيها مراراً وأنا حاضر فلم يرخِّص
فيها ، وقال المعنى الذي لأجله حرم الربا موجود فيها بعينه ، مع زيادة الكلفة
بشراء السلعة وبيعها والخسارة فيها ، فالشريعة لا تحرم الضرر الأدنى وتبيح ما هو
أعلى منه ) [10] .
والتورق صورة من صور بيوع العينة ، فبيع العينة كما عرّفه الفيومي في
المصباح بقوله : ( العينة بالكسر السلف ، واعنان الرجل اشترى الشيء بالشيء
بنسيئة ، والاسم العينة بالكسر ، وفسّرها الفقهاء بأنها بيع الرجل متاعه إلى أجل ثم
يشتريه في المجلس بثمن حال ليسلم له ، وقيل لهذه البيع عينة ؛ لأن مشتري السلعة
إلى أجل يأخذ بدلها عيناً ؛ أي نقداً حاضراً ) [11] ، وقد عرف الإمام ابن تيمية
- رحمه الله - العينة بقوله : ( العينة في الأصل السلف ، والسلف يتم بتعجيل الثمن
وتعجيل المثمن وهو الغالب هنا ، يقال اعنان الرجل وتعين إذا اشترى الشيء
بنسيئة ، كأنها مأخوذة من العين ( الدنانير والدراهم ) وهو المعجل ، وصيغت على
« فعلة » لأنها نوع من ذلك ، وقال أبو إسحاق الجوزجاني : إنها من العين ؛ لحاجة
الرجل إلى العين من الذهب والورق ) [12] .
وهذا التعريف للعينة ، والتي قد أجمع علماء المسلمين على تحريمها ، ينطبق
على بيع التورق ، حيث إن القصد من بيع التورق هو الحصول على النقد ، فيتم
شراء سلعة مؤجلة السداد لبيعها بقصد الحصول على النقد ، والإمام أحمد - رحمه
الله - عندما أجاز التورق في إحدى روايتيه إنما أجازه مع الكراهة ، يقول ابن القيم :
( وعن أحمد فيه ( التورق ) روايتان الحرمة والكراهة ) ، وأشار في رواية
الكراهة إلى أنه ( المتعامل في التورق ) مضطر . وبالتالي فإن للاضطرار أحكامه ،
فليس كل من رغب في المال لشراء ما تشتهيه نفسه أو يتوسع في تجارته يعتبر
مضطراً ، فيتم التعامل بصيغة التورق ليصبح الأمر حلالاً صرفاً ، كما يتم الإعلان
عنه في الصحف من قِبَل البنوك التي تدعو الناس إلى الاقتراض بأسلوب صيغة
التورق ، مع عدم الالتزام بقواعد التعامل في التورق وفق ما تمت إجازته من قِبَل
أعضاء مجلس مجمع الفقه الإسلامي ، حيث اشترط التملك والحيازة لبائع السلعة
لمشتريها من البنك ، فهذا الشرط مفقود في التعامل الذي تمارسه البنوك كما سوف
نناقشه لاحقاً .
* ثالثاً : ماهية الربا وحقيقته :
لإدراك علاقة بيع التورق بالربا المعاصر ، وأنه وسيلة من وسائل استحلال
الربا ؛ فإن من الضروري تحديد ماهية الربا وحقيقته ؛ حتى يمكن فهم حقيقة اندفاع
البنوك لتبني هذا النوع من حيل لاستحلال الربا ، وإشاعته ، وتيسير أكله وتأكيله
ضمن غطاء الإباحة الشرعية ، وأنه تعامل تجيزه الشريعة وفق ما أفتت به اللجان
الشرعية التي كونتها هذه البنوك . فهذه الصيغة من التحايل لا تختلف عن حقيقة ما
تمارسه من تعامل ربوي صرف .
إن مادة كلمة الربا تعني الزيادة والنمو ، فقد جاء في لسان العرب بأن الأصل