الربا حصل له ولا يعصمه من ذلك صورة البيع ) [6] .
وقد استشهد - رحمه الله - لما توصل إليه من ارتباط المقاصد بالأفعال بقصة
أصحاب الجنة ؛ ( بأن حرمهم ثمارها لما توصلوا بجذاذها مصبحين إلى إسقاط
نصيب المساكين ، وكذا اليهود لما أكلوا ثمن ما حرم الله عليهم أكله ، ولم يعصمهم
التوسل إلى ذلك بصورة البيع ، فلم ينفعهم إزالة اسم الشحوم عنها بإذابتها ، فإنها
بعد الإذابة يفارقها الاسم ، وتنتقل إلى اسم الودك ، فلما تحيلوا على استحلالها بإزالة
الاسم لم ينفعهم ذلك ... وهذا معنى حديث ابن عباس الذي رواه أبو داود وصححه
الحاكم وغيره : « لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها ،
وإن الله إذا حرّم على قوم أكل شيء حرّم عليهم ثمنه » ، يعني ثمنه المقابل لمنفعة
الأكل ، فإذا كان فيه منفعة أخرى ، وكان الثمن في مقابلتها ؟ لم يدخل في هذا . إذا
تبين هذا ؛ فمعلوم أنه لو كان التحريم معلقاً بمجرد اللفظ وبظاهر من القول دون
مراعاة المقصود للشيء المحرم ومعناه وكيفيته ؛ لم يستحقوا اللعنة لوجهين :
أحدهما : أن الشحم خرج بجمله ( إذابته ) عن أن يكون شحماً وصار ودكاً ،
كما يخرج الربا بالاحتيال فيه عن لفظ الربا إلى أن يصير بيعاً عند من يستحل ذلك ،
فإن من أراد أن يبيع مائة بمائة وعشرين إلى أجل فأعطى سلعة بالثمن المؤجل ثم
اشتراه بالثمن الحال ولا غرض لواحد منهما في السلعة بوجه ما ، وإنما هي كما قال
فقيه الأمة : « دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة » ؛ فلا فرق بين ذلك وبين مائة
بمائة وعشرين درهماً بلا حيلة البتة ، لا في شرع ولا في عقل ولا عرف ، بل
المفسدة التي لأجلها حرم الربا بعينها قائمة مع الاحتيال وأزيد منها .
الوجه الثاني : أن اليهود لم ينتفعوا بعين الشحم ، وإنما انتفعوا بثمنه . ويلزم
من راعي الصور والظواهر والألفاظ دون الحقائق والمقاصد أن لا يحرم ذلك ، فلما
لُعنوا على استحلال الثمن وإن لم ينص لهم على تحريمه ؛ علم أن الواجب النظر
إلى الحقيقة والمقصود لا إلى مجرد الصورة ) [7] .
* ثانياً : بيع التورق وعلاقته بالحيل :
التورُّق نوع من البيوع اختُلف في جوازه ، فقد منعه كثير من العلماء ، كما
أجازه بعضهم مع تحفظ وشروط لا بد من توفرها عند التعامل بها ، ومن أهمها
توفر صيغة البيع الشرعي الصحيح ، والبيع كما عرفه الجصاص هو : ( تمليك
المال بإيجاب وقبول عن تراض بينهما ) ، ومن هذا التعريف فالبيع الصحيح هو ما
تم فيه نقل الملك ، وتم فيه القبض ، باستثناء بيوع الآجال المرخص فيها ، وكان
ذلك بعوض على وجه جائز شرعاً [8] .
والحيل في البيوع تأتي بفقدان عنصر من عناصر صحة البيع ؛ إما بفقد
التقابض أو التراضي الصحيح ، أو عدم الجواز الشرعي في الثمن أو المثمن ، ومن
هنا تأتي الحيل لتصحيح المعاملة لتأخذ الشكل المباح . يقول ابن قدامة في المغني :
( والحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين ، وهو أن يظهر عقداً مباحاً
يريد به محرماً ؛ مخادعة وتوسلاً إلى فعل ما حرم الله واستباحة محظوراته أو
إسقاط واجب ) [9] . ويعرّف مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم
الإسلامي في دورته الخامسة عشرة بتاريخ 11 رجب عام 1419هـ التورق بأنه
( شراء سلعة في حوزة البائع وملكه بثمن مؤجل ، ثم يبيعها المشتري بنقد لغير البائع
للحصول على النقد ) ، ومن هذا التعريف ندرك شرط تملُّك السلعة وحيازتها بعينها
لدى البائع قبل البيع ، مع عدم شرائه لها مرة أخرى بأي أسلوب . وهذا البيع نوع
من أنواع بيوع المضطر ، وقد ورد في مسند الإمام أحمد عن علي - رضي الله
عنه - ، كما نقله ابن القيم في كتابه ( أعلام الموقعين ) ، قال : ( سيأتي على
الناس زمان عضوض يعض الموسر على ما في يديه ولم يؤثر بذلك ، قال الله