استعرض صاحب كتاب الحيل الفقهية في المعاملات المالية المفهوم الخاص بالحيل ،
ووصل في تحليله لمفهوم الحيل إلى القول ( بأن الحيلة تطلق ويراد بها عدة معان ،
فيراد بها التحول والانتقال من حالة إلى أخرى ومن شيء إلى آخر ، أو بمعنى
الحيلولة والحجز بين الشيئين أو الإنسان والشيء ، أو بمعنى عدم الحمل بالنسبة لكل
أنثى ، وبمعنى طلب الحيلة ؛ أي الاحتيال ، وبمعنى الصفة ) [2] .
أما المعنى الفقهي فيقول ابن القيم : ( فالحيلة هي نوع مخصوص من
التصرف والعمل الذي يتحول به فاعله من حال إلى حال ، ثم غلب عليها بالعرف
استعمالها في سلوك الطرق الخفية التي يتوصل بها الرجل إلى حصول غرضه ؛
بحيث لا يُفطن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة ، فهذا أخص من موضوعها في اللغة ،
وسواء كان المقصود أمراً جائزاً أو محرماً . وأخص من هذا استعمالها في
الغرض الممنوع شرعاً أو عقلاً أو عادة ، فهذا هو الغالب عليها في عرف الناس )
[3] .
ومن هنا فإن الحيل لا تعتبر جميعها محرمة ، وإنما المحرم ما كان وسيلة إلى
الوصول إلى ما حرم أخذه أو فعله . ولذا لا بد من معرفة الفرق بين الحيل المحرمة
والحيل الجائزة ، يقول الشاطبي : ( الحيل التي تقدم إبطالها وذمها والنهي عنها ما
هدم أصلاً شرعياً وناقض مصلحة شرعية ، فإن فُرض أن الحيلة لا تهدم أصلاً
شرعياً ولا تناقض مصلحة شهد الشرع باعتبارها فغير داخلة في النهي ) [4] ، وقد
وضع الإمام الشاطبي - رحمه الله - مقياساً يتبين به المتأمل نوع الحيلة ، ومدى
قبولها من رفضها ، يقول : ( فإذا تسبب المكلف في إسقاط ذلك الوجوب عن نفسه
أو في إباحة ذلك المحرم عليه بوجه من وجوه التسبب ؛ حتى يصير ذلك الواجب
غير واجب في الظاهر أو المحرم حلالاً في الظاهر أيضاً ؛ فهذا التسبب يُسمّى حيلة
وتحيّلاً ) [5] . ومن هنا يتضح أن أي أسلوب يُتخذ أو يُتبع يؤدي إلى إسقاط
الواجب أو تحليل المحرم في الظاهر ؛ فإنه يُسمّى حيلة عند الفقهاء .
إن التحايل على الأحكام الشرعية بقصد إرضاء النفس والتحايل لأكل الحرام
وفعله ؛ من الأمور التي حرمها الله تعالى في كتابه ، وأجمع على تحريمها سلف هذه
الأمة ، ومن أجاز صوراً من العقود البيعية للبنوك ( والتي سنناقشها لاحقاً ) ؛ بقصد
توفير احتياجات الناس للمال بدون إيقاعهم في الربا ظاهراً ، وبقصد إخراجهم من
الضيق والحرج والتوسعة عليهم بحكم أن الشريعة دائرة أحكامها على التخفيف
واليسر والأخذ بالرخص ؛ فهذا أمر غير مسوَّغ شرعاً ، فإن من الأمور التي يأمر
بها الشرع تقوية الخوف من الله ، وهذا من مقاصد الشرع ، ولهذا نجد في كثير من
الأمور أن الشريعة حرّمت كثيراً من البيوع سداً لذريعة الربا ، كما نهت عن
ممارسة كثير من الأمور المشتبهات بقصد تقوية الخوف من الله حذراً من الوقوع
فيما حرمه ، ولهذا فلا ينبغي تتبع حيل المذاهب من أجل تلبية رغبة الناس
وإرضائهم ، ومن الأمور المؤسفة تتبع الآراء الشاذة والحيل التي وضعها بعض
الفقهاء للابتعاد عن تنفيذ أحكام الله وعن مقاصد الشريعة التي من أجلها جاءت
الشريعة ، وخاصة فيما يتعلق بالمعاملات المالية ، كما هو حاصل الآن من إجازة
عقود تتعارض مع مقاصد الشريعة تلبية لرغبات الناس ، ومن الأمور المقررة
شرعاً أن هناك تلازماً بين مقاصد الشريعة والنية والعمل ، يقول ابن القيم : ( فالنية
روح العمل ولبّه وقوامه ، وهو تابع لها يصح بصحتها ويفسد بفسادها ، والنبي
صلى الله عليه وسلم قد قال كلمتين كفتا وشفتا وتحتهما كنوز العلم ، وهو قوله :
« إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى » ، فيبين في الجملة الثانية
أن العامل ليس له من عمله إلا ما نواه ، وهذا يعم العبادات والمعاملات
والأيمان والنذور وسائر العقود والأفعال ، وهذا دليل على أن من نوى بالبيع عقد