الربا ؛ فالموسرون المرابون يقرضون الفقراء المحتاجين بفوائد الربا التي تزداد مع
طول المدة وشدة الحاجة ، مما يجعلهم عاجزين عن السداد . والنتيجة النهائية : إما
أن يسرقوا لسداد القروض الربوية ، وإما أن تصادر أملاكهم وتباع للمقرضين ؛
ليعيشوا وأسرهم بقية أعمارهم على قارعة الطريق يتكففون الناس ، أو في الملاجئ
والدور الاجتماعية مما يكون سببًا في قتل كرامتهم ، وحرمان المجتمع من عملهم
وإنتاجهم .
إن الربا هو السبب الرئيس في انتشار الجريمة والانتقام بين أصحاب رءوس
الأموال وكبار المرابين ، مما يكون سببًا في رفع الأمن ، وبسط الخوف والذعر في
المجتمعات .
وواقع كثير من البلدان التي ينتشر فيها الربا شاهد على ذلك ، وهل يستطيع إنسان
بِيعَ بيتُه ، وشُرِّدَ هو وأولاده لسداد ما عليه من قروض الربا أن يصبر عن الانتقام ؟
وماذا يبقى له في الدنيا إذا كان يريد العيش لها إلا أنه فقدها فجأة ؟ ! .
وأخيرًا .. اجتناب الربا أهون من التخلص منه :
إن المتعامل بالربا يعز عليه الخلاص منه بعد الغرق فيه ، ولا سيما إذا كانت
تجارته كلها مؤسسة عليه . ولا ينجو من ذلك بعد الانغماس فيه ، ويبادر بالتوبة
والخلاص منه إلا من هدي للرشاد ووفق للخير .
قد يغتر المبتدئ في حياته الوظيفية أو التجارية بالقروض الربوية الميسرة أو
بالفوائد المركبة والبسيطة التي تعلن عنها بين حين وآخر البنوك الربوية ؛ بقصد
أكل أموال الناس بالباطل ، ويتولى إثم الإعلان عنها ، والدعاية لها المؤسسات
الإعلامية المختلفة من مشاهد ومسموع ومقروء ؟ ولكن ذلك المسكين الذي أغتر بها
حين يفرق في الربا ربحًا أو خسارة فلن ينجو بسهولة ، وكان الأسهل عليه أن
يجتنب طريقها أولاً .
إنه قد يربح الفوائد من الإيداع ولكنه سيخسر بركة ماله ، ولقمة الحلال ودينه
وآخرته ، وإن كان مقترضًا فسيجني أغلال الديون مع الإثم والفقر .
والشاب الذي يغريه راتب الوظيفة الربوية وسيارتها وبعثاتها وميزاتها عليه
أن يتذكر أن عاقبة ذلك خسران في الدنيا والآخرة ، والرضى بالقليل الحلال خير
وأعظم بركة من الكثير الحرام ، ولن يندم عبد تحرى الحلال في كسبه وإن فاته
الكثير من المال ؛ لكنه سيندم أشد الندم إن أدخل في جوفه حرامًا ، وقد يكون ندمه
متأخرًا لا ينفعه .
والله - تعالى - قال : [ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ
إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ] ( البقرة : 275 )
(1) أخرجه مسلم في الحج ، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم من حديث جابر رضي الله عنه (147) .
(2) تفسير ابن كثير (1/889- 890) .
(3) لم يأت إطلاق لفظ المحاربة في الشريعة - حسب علمي - إلا على ثلاث من الكبائر : أ- أكل الربا وفيه قول الله - تعالى - : [ فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ] (البقرة : 279) ب- قطع الطريق وفيه قوله - تعالى- : [ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن