الحفاظ عليها ، وهل يجد لذة الحياة من نعم جسده ، وعذّب قلبه ، وأي عذاب أعظم
من عذاب القلب ؟
وقد كان الإنسان قبل العصر الرأسمالي يستغني عما لا يستطيع تحصيله ،
ويقنع بما كتب له ، فيرتاح باله ، ويطمئن قلبه .
2- الربا سبب لازدياد الفقر :
سيطرة المادة على الناس ، وخوفهم من الفقر والحاجة ، وانعدام قناعتهم
بالضروري من العيش ، وتطلعهم إلى كماليات لا يحتاجونها ، إلى غير ذلك انتشر
وساد في العصر الرأسمالي الربوي ، وكل ذلك وتوابعه ليست أخلاقا ذميمة فحسب ؛
بل هو عقوبات وعذاب يتألم الناس من جرائها في زمن انتشار الربا ؛ حتى
أصبح الفقير يريد الغنى ، والغني يريد أن يكون أكثر ثراء ، وصاحب الثراء
الفاحش يريد السيطرة على أسواق المال في سلسلة لا تنتهي من الجشع وحب الذات
وكراهية المتنافسين ، وغير ذلك من الأخلاق الرديئة ، وصار في الناس مستورون
لا يقنعون ، وأغنياء لا يحسنون ولا يتصدقون إلا من رحم الله تعالى .
وإذا ما استمر العالم على هذا النحو من تفشي الربا ، وارتباط المعاملات
المالية به فإن النهاية المحتومة ازدياد الفقر والجوع حتى يهلك أكثر البشر ،
واجتماع المال في خزائن فئة معدودة من كبار المرابين ، وهذا ما جعل أحد كبار
الاقتصاديين الأوروبيين يطلق على الربا : تجارة الموت ، فيقول : ( الربا تجارة
الموت ، ومن شأنه أن يشعل الرأسماليون الحرب وإن أكلت أكبادهم في سبيل
مضاعفة رأس المال ببيع السلاح ) [30]
وما حطم قيمة الأوراق النقدية ، وقضى على أسعار العملات إلا الربا الذي
يقوم عبره عصابة من المرابين بضخ المال في عملة من العملات ثم سبحه من
رصيدها لتقع قيمتها من القمة إلى الحضيض ، فيصيب الفقر شعوبًا وأممًا لا تملك
سوى عملتها التي ما عادت تساوي شيئًا ، وليس ببعيد عن الأذهان ما حصل لبعض
دول شرق آسيا .
3- الربا سبب لرداءة النقود وضعفها :
المتخصصون في الاقتصاد يقررون أن النقود هي دماء الاقتصاد ، والنقود
السليمة هي التي تجعل الاقتصاد سليمًا ؛ ولكن نقود العالم الحالية مريضة بالتضخم
الناتج عن الربا ، ولا يمكن علاجها إلا بمعالجة التضخم ، ولن يتم علاجه إلا بإلغاء
فوائد الربا . ويشخص هذه الحقيقة الاقتصادي الألماني : ( جوهان فيليب بتمان )
مدير البنك الألماني ( فرانكفورت ) فيقولك : كلما ارتفعت الفائدة تدهور النقد ، فكما
يؤدي الماء إلى رداءة النقود . قد يبدو الأمر أننا نسوق تعبيرات أدبية ، أو أننا
نبسط المسألة ونسطحها ؛ ولكن الحقيقة أن هذه العبارة السهلة البسيطة هي في
الواقع معادلة سليمة وصحيحة تدل عليها التجربة ، ويمكن إثباتها ؛ فالفائدة العالية
تدمر قيمة النقود ، وتنسف أي نظام نقدي ما دامت تزيد كل يوم ، وتتوقف سرعة
التدمير وحجمه على مقدار الفائدة ومدتها [31] .
وهكذا صارت عاقبة الربا وإن كثر إلى قِلٍّ وهذه صورة من صور المحق
التي يسببها الربا للأموال المتعاملين به .
وبسبب انتشار الربا في المعاملات المالية أضحت البورصات العالمية وكأنها
صالة قمار واسعة ، ليس الأمر فيها يتصل بالمقامرات غير المحسوبة فحسب ؛ بل
إن هناك من يبيع دائمًا ما لا يملك ، ومن يشتري من دون أن يدفع ثمنًا . ومن
يتظاهر بأن هناك أسهما لشركات وما هي في الواقع بشركات ، ومن يقيد بالدفاتر
مليارات كبيرة دون أن يراها ، ودون أن يقابلها رصيد من أي نوع ، إنها الفائدة
الملعونة المسؤولة عن المصائب الكبرى في النظام النقدي العالمي ، وهي المسؤولة
عن التضخم ، وعن ضياع الأموال ، وعن عجز دفع المدينين ديونهم ، كما قرر
حقيقة ذلك الاقتصادي الغربي ( موريس آليه ) الحائز على جائزة نوبل في
الاقتصاد [32] .
4- الربا سبب لرفع الأمن وانتشار الخوف :
تسود الأنانية وحب الذات وانعدام الرحمة كل المجتمعات التي ينتشر فيها