اللائق بالعاقل ألا يلتفت إلى ما يقضي به الطبع والحس من الدواعي والصوراف ،
بل يعول على ندبه الشرع إليه من الدواعي والصوارف ) [27] .
والظاهر أن محق الربا للمال يكون في الدنيا والآخرة ؛ لعموم النصوص وعدم
تخصيصها المحق بدار دون أخرى :
ومن صور محقه في الدنيا : عدم بركته ، وإنفاقه فيما لا يعود على صاحبه
بالنفع بل فيها يصره ؛ ليقينه أنه كسب خبيث فينفقه في خبيث أيضًا ، فيكتسب به
إثمين : إثمًا في الاكتساب وإثمًا في الإنفاق ؛ ذلك أن كسب المال في حرام لا يجيز
إنفاقه في الحرام كما يظن كثير ممن يتخوضون في الحرام . ثم إن من استغل حاجة
الفقراء وأكل أموال الناس بالربا فإنهم يبغضونه ويلعنونه ويدعون عليه ؛ مما يكون
سببًا لزوال الخير والبركة عنه في نفسه وماله ، وإذا جمع مالاً عظيمًا بالباطل
توجهت إليه أطماع الظلمة والغاصبين ، ويشجعهم على ذلك أنهم لا يرون أحقيته
بالمال ، فيسوغون لأنفسهم أخذه منه أو مشاركته فيه .
ومن صور محقه في الآخرة : عدم تسخيره في الطاعة لعلمه أنه محرم ، ولو
تصدق به أو حج أو أنفق في وجوه البر لكان حريًا بالرد وعدم القبول ؛ لأن الله -
تعالى - طيب لا يقبل إلا طيبا ، ثم إن ما يحصل له من شدة الحساب والعذاب
المرتب على الربا في البرزخ وعند النشر من أعظم المحق ، ذلك أن الأصل في
المال منفعة ينفع صاحبه ، والمرابي عاد عليه ماله بالضرر .
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الربا وإن كثر فإن عاقبته
إلى قلٍّ ) [28] .
قال المناوي - رحمه الله - : ( أي أنه وإن كان زيادة في المال عاجلاً يؤول
إلى نقص ومحق آجلا بما يفتح على المرابي من المغارم والمهالك ؛ فهو مما يكون
هباء منثورا . قال الطيبي : والكثرة والقلة صفتان للمال لا للربا ؛ فيجب أن يقدر :
مال الربا ؛ لأن مال الربا ربا ) [29] .
ولا يشك مؤمن أن القليل المبارك من المال خير من الكثير الممحوق البركة
ولو كان الكثير محل إعجاب الناس وتطلعاتهم ورغباتهم ؛ ولذا قال الله - تعالى -
[ قُل لاَّ يَسْتَوِي الخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي
الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ] ( المائدة : 100 ) .
والواقع المشاهد يؤكد هذه الحقيقة التي قررتها نصوص الشريعة سواء على
المستوى الفردي أو الجماعي والأممي .
أما على المستوى الفردي فإن أكثر الناس في هذا العصر - عصر الربا -
يشكون من قلة بركة أموالهم رغم كثرة دخولاتهم وتعدد سبل كسبها .
أما على المستوى الأممي - العالمي - فرغم اختراع الآلة ، واستغلال ثروات
الأرض ، وتنوع الصناعات ، وتعدد الزراعات التي أصبح الإنسان المعاصر ينتج
منها في اليوم ما لم يستطع إنتاجه من قبل في سنوات ؛ حتى صارت أرقام الإنتاج
الزراعي والصناعي أرقامًا عالية جدًا ؛ رغم ذلك كله فإن أكثر سكان الأرض
يعيشون فقرًا ، ولا يجدون كفافًا وفي كل يوم يموت منهم جموع من الجوع والمرض ،
فأين هي المنتجات الزراعية والصناعية ؟ لِمَ لَمْ تسد جمع الملايين من البشر وهي
تبلغ ملايين الملايين من الأطنان ؟ فما كانت إذن قلة إنتاج ، ولكنها قلة بركة فيما
ينتجون ويزرعون ويصنعون ! !
وأما حلول العقوبات ، فإن المحسوس المشاهد منها الذي يعاني منه البشر في
عصر الربا من التنوع والكثرة بما لا يعد . وهناك عقوبات معنوية يعاني منها أكثر
الناس ولم يكتشفوا سر تلك المعاناة ومنها : استعباد المادة للإنسان بحيث تحولت من
كونها وسيلة لراحته وهنائه إلى غاية ينصب في تحصيلها ، ثم يشقى بحفظها ،
ويخشى فواتها . وتلك عقوبة أيًُّ عقوبة ! !
إن الإنسان في العصر الرأسمالي الذي أساسه الربا يريد الاستغناء بالأشياء ،
فإذا ما استغنى بها سيطر عليه هاجس زوالها فيظل شقيًا في تحصيلها ، شقيًا في