النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة ، فيأتي ذلك السابح إلى ذلك الذي جمع
الحجارة عنده ، فيغفر له فأه فيلقمه حجرًا حتى يذهب به سباحة إلى الجانب الأخر
وذكر في تفسيره في آخر الحديث أن ذلك السابح الناقل للحجارة أكل الربا [21] .
قال ابن هبيرة - رحمه الله تعالى - : ( إنما عوقب أكل الربا بسباحته في
النهر الأحمر وإلقامه الحجارة ؛ لأن أصل الربا يجري في الذهب ، والذهب أحمر .
وأما إلقام الملك له الحجر فإنه إشارة إلى أنه لا يغني عنه شيئًا ، وكذلك الربا فإن
صاحبه يتخيل أن ماله يزداد والله من ورائه يمحقه ) [22] .
8- أن المتعامل به ملعون على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم :
عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال : ( لعن رسول الله صلى الله
عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه ، وقال : هم سواء ) [23] .
قال النووي - رحمه الله تعالى - : ( هذا تصريح بتحريم كتابة المبايعة بين
المترابين ، والشهادة عليهما ، وفيه تحريم الإعانة على الباطل ) [24] .
وقال الصنعاني : ( أي دعا على المذكورين بالإبعاد عن رحمة ، وهو دليل
على إثم من ذكر وتحريم ما تعاطوه ، وخص الأكل لأنه الأغلب في الانتفاع ،
وغيره مثله ) [25] .
أضرار الربا الدنيوية :
إذا تلوثت الأجواء أصاب كل من يتنفس الهواء نصيب من هذا التلوث ، وإذا
تكدرت المياه دخل شيء من كدرتها جوف كل شارب منها ، وهكذا يقال في كل
شيء متلوث يباشره الناس ، حتى الأموال إذا داخلها الكسب الخبيث أصاب
المتعاملين بها بيعًا وشراءً ، وأخذًا وعطاءً شيء من خبثها وسحتها ؛ فكيف إذا كانت
بنية الاقتصاد العالمي على الكسب الخبيث ؛ وفقًا للنظرية الرأسمالية المبنية على
الحرية المطلقة في الأموال ، والمقررة أن الغاية تسوِّغ الوسيلة ؟ فلا شك - والحال
ما ذكر - أن تتلوث الأموال عالميًا بالكسب الخبيث ؛ حتى إن من حاول الاحتراز
والتوقي يصيبه رذاذ خبث الأموال ، وغبار الربا المتصاعد منها ، مصداقًا لحديث
أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليأتين على
الناس زمان لا يبقى فيه أحد إلا أكل الربا ، فإن لم يأكله أصابه من غباره ) [26] .
وإذا كان الأمر كذلك فإن حصول أضرار دنيوية اقتصادية واجتماعية وغيرها
متحقق ولا مفر مه في كل أمة انتشر فيها الربا وما يتبعه من كسب خبيث كما دلت
على ذلك النصوص والعقل وواقع حال البشر في هذا العصر الذي علا فيها شأن
الاقتصاد المبني على الربا على الشؤون الأخرى .
ومن تلكم الأضرار الدنيوية ما يلي :
1- أن الربا سبب للعقوبات ومحق البركات :
قال الله - تعالى - : [ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ
كُفَّارٍ أَثِيمٍ ] ( البقرة : 276 ) .
ونظير هذه الآية قوله - تعالى - [ وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ
فَلاَ يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ ]
( الروم : 39 ) .
والآياتان دالتان على مباركة المال بالصدقة لترغيبهم فيها ، ومحقه بالربا
لترهيبهم وتنفيرهم منه ، ولا سيما أن النفوس البشرية تحب تملك المال وتنمية له ؛
فبين الله - تعالى - أن البركة تحصل بالصدقة ، والمحق يحصل بالربا .
قال الرازي : ( لما بالغ في الزجر عن الربا وكان قد بالغ في الآيات المتقدمة
في الأمر بالصدقات ذكر ههنا ما يجري مجرى الداعي إلى ترك الصدقات وفعل
الربا ، وكشف عن فساده ، وذلك لأن الداعي إلى فعل الربا تحصيل المزيد في
الخيرات ، والصارف عن الصدقات الاحتراز عن نقصان الخير ؛ فبين - تعالى -
أن الربا وإن كان في زيادة في الحال إلا أنه نقصان في الحقيقة ، وأن الصفة وإن
كانت نقصانًا في الصورة إلا أنها زيادة في المعنى ، ولما كان الأمر كذلك كان