رغم ما تقدم كله فإن الدرهم من الربا أعظم من ست وثلاثين زنية ؛ فإذا كان
هذا في درهم واحد فكيف بحال من يأكلون الألوف من الربا بل الملايين والمليارات ؟
وكم هي خسارة من أسس تجارته على الربا ، ومن كان كسبه من فوائد الربا
الخبيثة ، ومن كانت وظيفته كتابة الربا ، أو الدعاية له ، أو حراسة مؤسسته ؟
وما هو مصير جسد ما نبت إلا ما نبت إلا من ربا ، وأولاد ما أطعموا إلا من
كسبه الخبيث وما غٌذّيت أجسادهم إلا عليه ، فما ذنبهم أن تبنى أجسادهم بالسحت ؟
الصلة بين الربا والزنا :
إن المتأمل للحديثين السابقين وما في معناهما يجد أن ثمة علاقة وثيقة بين
جريمتي الربا والزنا ، وأن الربا أشد جرمًا من الزنا ؛ فما هو السر في ذلك يا ترى ؟
إن الذي يظهر لي - والعلم عند الله تعالى - أن من أهم أسباب انتشار الزنا
في الأمم تعامل أفرادها بالربا ، ودرهم الربا ضرره على الأمة كلها ، أما الزنا
فضرره مقصور على الزاني والزانية وأسرتها وولدها ولا يتعدى ذلك في الغالب إذا
لم يكن ثمة مجاهرة به ، وإقرار له [17] .
إن الطبقية التي يصنعها الربا بين أبناء الأمة الواحدة ، والفجوة بين الفقراء
والأغنياء التي تزداد اتساعًا وانتشارًا كلما تعامل الناس بالربا تجعل الفقير لكما
اقترض تضاعفت ديونه ، وازداد فقره وأشتد جوعه ؛ حتى يٌضعٍفَ الفقر والجوع
والحاجة غيرته على عرضه ، فلا يأبه إن زنت محارمه إذا كان من وراء ذلك عائد
مالي يقلل فقره ويشبع بطنه . وما زنت الزانية المحتاجة أول ما زنت إلا لما جاع
بطنها ، وصاح رضيعها واحتاج أهلها ، ولربما أمرها وليها بالزنا - عوذًا بالله -
من أجل أن تطعم أسرتها . وإذا انكسر حياؤها مرة فلن ينجبر أبدًا حتى تتخذ الزنا
مهنة لها إلا أن يشاء الله تعالى ؛ والواقع يشهد ذلك في كل البلاد التي عمّ فيها الربا ،
وزال من أفرادها الإحسان ؛ حتى أصبح المال في أيدي عدد قليل من عصابات
المرابين ، وأما بقية الناس فيغرقون في ديونهم ، ويموتون جوعًا وفقرًا . فالربا ليس
سببًا في وقوع الزنا فحسب ؛ بل هو سبب لانتشاره في الأمم ، وإذا كان الزنا
جريمة أخلاقية ؛ فإن الربا جريمة أخلاقية مالية تجر إلى كوارث عدة من انتشار
البطالة والفقر والجوع والأحقاد بين أبناء الأمة الواحدة .
7- المتعامل بالربا يُعذَّب في قبره وعند نشره :
الربا من المعاملات التي أجمعت الشرائع السماوية كلها على تحريمه ، الآخذ
والمعطي فيه سواء .
وآكل الربا يٌبعث يوم القيامة وهو يتخبط في جنونه كما قال - تعالى - :
[ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ ]
( البقرة : 275 ) .
قال سعيد بن جبير - رحمه الله تعالى - : ( بعث آكل الربا يوم القيامة
مجنونًا يخنق ) [18] ، وقال وهب بن منبه : ( يريد أن بُعث الناس من قبورهم
خرجوا مسرعين لقوله : [ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ
يُوفِضُونَ ] ( المعارج : 43 ) ، إلا أكلة الربا فإنهم يقومون ويسقطون كما يقوم
الذي يتخبطه الشيطان من المس ، وذلك لأنهم أكلوا الربا في الدنيا ، فأرباه الله في
بطونهم يوم القيامة حتى أثقلهم ، فهم ينهضون ويسقطون ويريدون الإسراع ولا
يقدرون [19] .
ويشهد لهذا المعنى حديث مرفوع فيه ضعف عن أبي هريرة - رضي الله
عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أتيت ليلة أسرى بي على
قوم بطونهم كالبيوت فيها حيات تُرى من خارج بطونهم ؛ فقلت : من هؤلاء يا
جبريل ؟ قال : هؤلاء أكلةُ الربا ) [20] .
وأما عذابه في البرزخ فكما جاء في حديث المنام عن سمرة بن جندب -
رضي الله عنه - وفيه : قال النبي صلى الله عليه وسلم : فأتينا على نهر - حسبت
أنه كان يقول : أحمر مثل الدم - وإذا في النهر رجل سابح يسبح ، وإذا على شط