الحق ومزع البركة ، كما قال الله - تعالى - : [ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ
وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كُفَّارٍ أَثِيمٍ ] ( البقرة : 276 ) . قال ابن كثير - رحمه الله -
تعالى : ( أي لا يحب كفور القلب ، أثيم القول والفعل ، ولا بد من مناسبة في ختم
هذه الآية بهذه الصفة وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال ، ولا
يكتفي بما شرع له من الكسب المباح ، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل
بأنواع المكاسب الخبيثة فهو جحود لما عليه من النعمة ، ظلوم آثم بأكل أموال الناس
بالباطل ) [8] .
4- أن الربا مخل بالإيمان :
كل معصية تخل بإيمان العبد ، وعلى قدر المعصية يكون اختلال الإيمان ؛ إذ
إن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية كما هو مذهب السلف الصالح وأتباعهم
بإحسان ، وقد قال الله - تعالى - في شأن الربا : [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ
وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ] ( البقرة : 278 ) ، قال القاسمي - رحمه
الله تعالى - ( فبين أن الربا والإيمان لا يجتمعان ) [9] .
ولذا كان المتعامل حقيقًا باللعن والطرد من رحمة الله تبارك وتعالى . قال
جابر - رضي الله عنه - : ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل الربا وموكله
وكاتبه وشاهديه وقال : هم سواء ) [10] .
5- أنه من المهلكات للأفراد والأمم :
أما الأفراد فقد عدّ النبي صلى الله عليه وسلم الربا من التسع الموبقات [11] ،
ثم عده في السبع الموبقات [12] التي حذر منها وأمر باجتنابها .
وأما على مستوى الأمم فقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنه : ما ظهر في قوم
الربا والزنا إلا أخلوا بأنفسهم عقاب الله [13] ، وكفى بذلك زاجرا عنه للأمم التي تود
المحافظة على اقتصادها ، وتخشى الكوارث والنوازل .
6 - الربا أعظم إثمًا من الزنا :
ورد في السنة النبوية أحاديث كشفت حقيقة تلك الجريمة النكراء ، وأبانت
بشاعتها وقبحها بما يردع كل مؤمن بالله - تعالى - والدار الآخرة عن مقاربتها بله
مقارفتها ؛ ومنها حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال : ( الربا ثلاثة وسبعون بابًا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه ، وإن أربى
الربا عرض الرجل المسلم ) [14]
وكذا حديث عبد الله بن حنظلة - رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : ( درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين
زنية ) [15] .
قال الشوكاني - رحمه الله تعالى - : ( وله : أشد من ست وثلاثين ... إلخ
يدل على أن معصية الربا من أشد المعاصي ؛ لأن المعصية التي تعدل معصية الزنا
هي في غاية الفظاعة والشناعة بمقدار العدد المذكور ، بل أشد منها ؛ لا شك أنها قد
تجاوزت الحد في القبح ) [16]
ومن نظر في هذين النصين وشواهدهما من السنة النبوية تبين له أن قليل
الربا أعظم من كثير الزنا ، مع ما في الزنا من فساد الدين والدنيا ؛ حيث سماه
الله - تعالى - فاحشة وساء سبيلا ، ونهى عن الاقتراب منه كما قال - تعالى - :
[ وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ] ( الإسراء : 32 ) ، وحرمت
الشريعة الطرق المفضية إليه ، وسدت الذرائع الموصلة له ، وفيه خيانة كبرى
لزوج المزني بها ووالديها وأسرتها ، ويؤدي إلى فساد الأخلاق وارتفاع الحياء ،
واختلاط الأنساب ، وفشو الأمراض ، وحصول الشكوك ، وتبرؤ الزوج من نسبة
ابن زوجته الزانية وملاعنتها على ذلك ، وربما حصل عنده شك في أولاده من
زوجته قبل زناها إلى غير ذلك من المفاسد العظيمة التي استوجبت أن يكون حد
الزناة المحصنين الرجم بالحجارة حتى الموت .
وحد غير المحصنين الجلد والتغريب ، ورد شهادتهم ووصفهم بالفسق إلا أن
يتوبوا ، ومصيرهم في البرزخ إلى تنور مسجور تشوي فيه أجسادهم .